الصفحة 34 من 40

الشارع، بل إنما أجازه بناء على تحرى قصده، وأن مسألته لاحقه بقسم التحيل الجائز الذى علم قصد الشارع إليه، لآن مصادمة الشارع صراحا علما أو ظنا لاتصدر من عوام المسلمين، فضلًا عن أئمة الهدى وعلماء الدين، نفعنا الله بهم، كما أن المانع إنما منع بناء على أن ذلك مخالف قصد الشارع، ولما وضع في الأحكام من المصالح، ولا بد من بيان هذه الجمله ببعض الآمثلة لتظهر صحتها وبالله التوفيق: ثم بعد أن ذكر نكاح المحلل .... وقام ببيان مافيه .... قال ومن ذلك مسائل بيوع الاَجال، فإن فيها التحيل إلى بيع درهم نقدًا بدرهمين إلى أجل، لكن بعقدين كل واحد منهما مقصود في نفسه، وإن كان الأول ذريعة فالثانى غير مانع، لأن الشارع إذا كان قد أباح لنا الانتفاع بجلب المصالح ودرء المفاسد على وجوه مخصوصة، فتحرى المكلف تلك الوجوه غير قادح، وإلا كان قادحًا في جميع الوجوه المشروعة، وإذا فرض أن العقد الأول ليس بمقصود العاقد وإنما مقصوده الثانى، فالأول إذا منزل منزلة الوسائل، والوسائل مقصودة شرعًا من حيث هى وسائل، وهذا منها، فإن جازت الوسائل من حيث هى وسائل فليجز مانحن فيه، وإن منع ما نحن فيه فلتمنع الوسائل على الإطلاق، لكنها ليست على الإطلاق، ممنوعة إلا بدليل، فكذلك هنا لا يمنع إلا بدليل.

بل هنا مايدل على صحة التوسل في مسألتنا وصحة قصد الشارع إليه، في قوله عليه الصلاة والسلام: (( بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا ) )فالقصد ببيع الجمع بالدراهم، التوسل إلى حصول الجنيب بالجمع، لكن على وجه مباح. ولافرق القصد بين حصول ذلك مع عاقد واحد وعاقدين، إذ لم يفصل النبى عليه الصلاة والسلام.

وقول القائل (أى المانع) إن هذا مبنى على قاعدة القول بالذرائع غير مفيد هنا، فإن الذرائع على ئلائة أقسام: (( منها ) )مايسد باتفاق، كسب الأصنام مع العلم بانه مؤد إلى سب الله تعالى، وكسب أبوى الرجل إذا كان مؤديًا إلى سب أبوى الساب، فإنه عد في الحديث سبًا لأبوى نفسه، وحفر الأبار في طرق المسلمين مع العلم بوقوعهم فيها، وإلقاء السم في الأطعمة والأشربة التى يعلم تناول المسلمين لها. (( ومنها ) )مالايسد باتفاق، كما إذا أحب الإنسان أن يشترى بطعامه أفضل منه أو أدنى من جنسه، فيتحيل ببيع متاعه ليتوصل بالثمن إلى مقصوده، بل كسائر التجارات، فإن مقصودها الذى أبيحت له إنما يرجع إلى التحيل في بذل دراهم في السلعة ليأخذ أكثر منها

(( ومنها ) )ماهو مختلف فيه. ومسألتنا من هذا القسم فلم نخرج عن حكمه بعد، والمنازعة باقية فيه وهذه جملة مما يمكن أن يقال في الاستدلال على جواز التحيل في المسألة.

-لذلك أرى ترجيح رأى جمهور الفقهاء لرجحان ماأستدلوا به.

سادسًا: الفرق بين العينة، والتورق، والتوريق

يفترق التورق عن بيع العينة بفروق:

أولها: أن السلعة في بيع العينة تعود إلى بائعها مرة أخرى، إذ قد خرجت من ملكه في البيع الأول إلي المشترى بثمن مؤجل، ثم عادت في البيع الثاني إلي مالكها (البائع الأول) بثمن حال، بحيث يصبح نتيجة هذين البيعين أن يثبت في ذمة المشتري الأول الثمن المؤجل، وهو مثلا مائة وخمسون في الوقت الذي قبض فيه"مائة".

وهذا ما يفسر به ابن عباس -رضي الله عنه- هذا النوع في البيع.

فقد روى حيان بن عمير القيسي، عن ابن عباس في الرجل يبيع الجريرة إلى الرجل، فكره أن يشتريها، يعني بدون ما باعها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت