فإن هذين قد قصدا الربا الذي أنزل الله في تحريمه القرآن، وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين - فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله، وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون - وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون} . [1]
ثم تابع ابن تيمية بيان بعض الصور في هذا المجال [2]
الرأي الثالث: ـ يرى أن هذا البيع لا يجوز في بعض الصور:
قال الظاهرية: لا يجوز هذا البيع إذا اشترط عود السلعة إلى بائعها في العقد.
وقال الزيدية: ـ إنه يجوز أن يبيعه من غير البائع بأقل مما اشتراه إلا أن يقصد الحيلة، كأن يكون الغير وكيل البائع أو شريكا، أو مضاربا، فإنه لا يجوز"وقد سبق النص فيهما."
استند المانعون للتورق - القائلون بالكراهة، أو بالتحريم _ إلي عدة أدلة منها:
الدليل الاول: هو القياس على بيع العينة على القول بحرمته، ووجهه: حديث ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم بلاء، فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم"."سبق تخريجه في بيع العينة" (ص 5)
فقد توعد الله جل شأنه من صدر منهم هذه التصرفات المنصوص عليها في الحديث ومن بينها من"تبايعوا بالعينة"والعينة بيع العين بثمن زائد نسيئة ليبيعها المستقرض لبائعها بثمن حاضر أقل ليقضي دينه، (سبق تفسير الفقهاء لها) فقد جرى على العين عقدان، كما رأينا، انتهي إلي رجوع العين إلي صاحبها .... ، فإذا كان ذلك ممنوعا فيقاس على العينة"التورق"من حيث إن العين يجري عليها عقدان .. [غير أن العين هنا لا تعود لصاحبها، ولكن تباع إلي شخص ثالث .. ] يجمع بينهما أن المقصد من هذا التصرف في كلا العقدين"العينة"و"التورق"هو الوصول إلي"الوَرِق"الذي يحتاج إليه مجرى كل من العقدين ..
(1) سورة البقرة: آيات 278 - 280
(2) وكذلك إذا اتفقا على المعاملة الربوية، ثم أتيا إلي صاحب حانوت يطلبان منه متاعا بقدر المال، فاشتراه المعطي، ثم باعه الآخذ إلى أجل، ثم أعاده إلى صاحب الحانوت بأقل من ذلك. فيكون صاحب الحانوت واسطة بينهما بجعل، فهذا أيضًا من الربا الذي لا ريب فيه. وكذلك إذا ضما إلى القرض محاباة في بيع أو اجارة أو غير ذلك، مثل أن يقرضه مائة، ويبيعه سلعة تساوي خمسمائة. أو يؤجر حانوتًا يساوي كراه مائة بخمسين، فهذا أيضا من الربا، ومن رواية الترمذي وغيره من عبدالله بن عمر عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال:"لايحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح مالم يضمن، ولا بيع ماليس عنك"قال الترمذي: حديث صحيح. فقد حرم النبي صلى الله عليه وسلم السلف ـ وهو القرض والأصل في هذا الباب أن الشراء على ثلاثة أنواع مع البيع:
أحدها: أن يشتري السلعة من يقصد الانتفاع بها كالأكل والشرب واللباس والركوب والسكني، ونحو ذلك، فهذا هو البيع الذي أحله الله.
والثاني: أن يشتريها من يقصد أن يتجر فيها، إما في ذلك البلد، وإما في غيره، فهذه هي التجارة التي أباحها الله.
والثالث: أن لا يكون مقصوده لا هذا ولا هذا، بل مقصوده دراهم لحاجته إليها. وقد تعذر عليه أن يستسلف قرضا، أو سلما، فيشتري سلعة ليبيعها، ويأخذ ثمنها، فهذا هو"التورق"وهو مكروه في أظهر قولي العلماء، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، كما قال عمر بن عبدالعزيز: التورق أخية الربا.