9 -إن الحجر على إرادة المجني عليه في الاستعانة بالمخبر الخاص في إجراء التحريات حول الوقائع التي يكون هو أو ذووه مجني عليهم فيها وذلك بصد إثبات صفة وتحديد شخصية من قام بالتعدي على حقوقه وحرياته يعد أمرا لا يمت للشرعية في شيء، بل إنه تعد إرادته التي أراد فيها كشف غموض حادث كان هو المجني عليه فيها، واقتصر عمله على جمع المعلومات التي تثبت حقه، وتركها بين يدي جهاز التحقيق لتقديرها واتخاذ ما تراه بشأنها من إجراءات تحت رقابة محكمة الموضوع [1] .
وبالنظر إلى الاتجاهين السابقين وما استند إليه نجد أن الاتجاه الثاني الذي يجيز للمجني عليه ولذويه الاستعانة بالمخبر الخاص في الكشف عن الجريمة هو الاتجاه الصحيح، والراجح لقوة ما استند من حجج وأدلة في هذا الشأن وهو ما أميل إليه وأرجحة، أما ما استند إليه الاتجاه الأول من أدلة فهي ليست من القوة بمكان بحيث يمكن القول معها بعدم جواز الأخذ بهذا النظام، ويمكن مناقشة ما استدل به هذا الاتجاه من أدلة والرد عليها.
فقولهم بأن إجراء التحري بواسطة المخبر الخاص يترتب عليه في الغالب مباشرة كثير من إجراءات التحقيق التي من شأنها المساس بالحقوق والحريات الفردية كالقبض والتفتيش، فمردود عليه بأن إجراء التحري الذي يقوم به المخبر الخاص لا غبار عليه طالما أنه قام بمباشرته بعد علم وإذن السلطات المختصة، أما ما يترتب على إجراء التحري من إجراءات تحقيق كالقبض والتفتيش فيمكن القول بأن هذه الإجراءات لا يقوم بها المخبر الخاص وإنما تقوم بها السلطات المختصة، بل إنه لا يجوز للسلطان المختصة أن تنتدبه للقيام بأي إجراء من هذه الإجراءات نظرًا لمساسها بالحقوق والحريات الفردية، أما المخبر الخاص فيقتصر نطاق الاستعانة به إجراء التحري دون غيره، ويعد هذا الأمر من ضمانات جدية تطبيق هذا النظام.
أما القول بأن قيام المخبر الخاص بإجراء التحري يؤدي إلى اطلاعه على خصوصيات الأفراد وأسرارهم وفى ذلك انتهالك كبير لحرماتهم فيمكن الرد عليه بأن من ضمانات تطبيق هذا النظام ضرورة التزام المخبر بالشرعية الإجرائية عند مباشرته لإجراء التحري، حيث لا يجوز له اختلاق أي إجراء يتعارض مع هذه الشرعية وإلا كان عمله معيبًا، ومن مقتضيات هذه الشرعية ضرورة المحافظة على حريات الأفراد وخصوصياتهم حتى يضمن لهم سبل الاستقرار والاطمئنان على هذه الحريات والخصوصيات، وفى حالة المساس أو التعدي على أي منها تعرض الإجراء للبطلان ومرتكبه للمساءلة القانونية إن كان هناك وجه لذلك ويلغى الترخيص.
أما القول بأن هذا النظام يتعارض مع نصوص التشريع الإجرائي وقانون هيئة الشرطة ومشروع قانون تنظيم أعمال شركات الأمن والحراسة فيمكن الرد على ذلك بأن هذه القوانين بصفة خاصة وغيرها بصفة عامة إنما توجد ويتم أقرارها لتحقيق مصلحة المجتمع وتقدم أبنائه وتنقيته من شوائب الجريمة، وكذلك تحقيق مصلحة المجني عليهم في الحصول على حقوقهم ممن ننال منها، فكون هذا النظام يتعارض مع نصوص التشريع والقانون لا يعد ذلك مبررًا لعدم الأخذ به.
فمن الممكن تغيير وتعديل هذه التشريعات حتى تتلاءم مع هذا النظام، حيث إن التشريع الحسن هو الذي يساير التطورات الحديثة في المجتمع، ولا يصح بأي حال من الأحوال عند تطبيق نظام جديد فيه تحقيق مصلحة أن نتزرع بأن هذا النظام يتعارض مع نصوص القوانين واللوائح وإلا نكون حجر عثرة في تحقيق أمن المجتمع وتقدمه.
(1) د. مصطفى الدغيدي: المرجع السابق، ص 77.