فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 65

عرف أبو هريرة بتواضعه الجم في كل مراحل حياته، فلم ينس ماضيه بعد أن منّ الله تعالى عليه بنعمة العلم والجاه والفضل، كمن يحاولون نسيان ماضيهم إذا طابت أيامهم ووسع الله عليهم، وإنما كان يستحضر ماضيه، وما عانى فيه من فاقة وحرمان، ليشكر الله تعالى على نعمة الدين وغيرها من النعم التي أسبغها عليه، ويستزيد بذلك من نعمه تعال، فقد روي عنه أنه قال: نشأت يتيمًا، وهاجرت مسكينًا، وكنت أجيرًا لابنة غزوان بطعام بطنى، وعقبة رجلي، أحدو بهم إذا ركبوا، واحتطب إذا نزلوا، فالحمد لله الذي جعل الدين قوامًا، وأبا هريرة إمامًا بعد أن كان أجيرًا لابنة غزوان على شبع بطنه، وحمولة رجله. (1)

قال الذهبي: وكان من أوعية العلم مع الجلالة والعبادة والتواضع. (2)

وكان مع تواضعه كريمًا، وكيف لا يكون كذلك وقد صحب من كان أجود من الريح المرسلة صلى الله عليه وسلم، فقد روى أبو نضرة العبدي عن الطفاوي قال: نزلت أبي هريرة بالمدينة ستة أشهر، فلم أر رجلًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد تشميرًا، ولا أقوم

(1) الذهبي: سير أعلام النبلاء 2/ 611، وابن كثير: البداية والنهاية 2/ 113.

(2) الذهبي: تذكرة الحفاظ 1/ 34 ن ولعله أراد بقوله: إمامًا، إمامة العلم والفتوى.

على ضيف منه. (1) ولعله أراد بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ضافه منهم، كما يفهم من كلامه لا كلهم، لأن فيهم أبحرًا لا تدرك سواحلها في الجود والكرم، ومع تواضعه وكرمه كان دعوبًا خفيف الظل، صريحًا فيما يقول، لا يحمل لأحد حقدًا، ولا يتطلع إلى ما عند غيره، راضيًا بما عنده، شاكرًا لله تعالى عليه.

فقد روي عنه أنه قال:"الحمد لله الذي أشبعنا من الخبز بعد أن لم يكن طعامنا إلا الأسودين: التمر والماء". (2)

(1) الذهبي: تذكرة الحفاظ 1/ 35، وسير أعلام النبلاء 2/ 593، والطفاوي: صحابي من أهل الصفة، أبو نعيم الحلية 1/ 375.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت