وما روي عن الأعمش عن أبي صالح قال:"كان أبو هريرة رضي الله عنه من أحفظ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم". (1)
فهذه الروايات وغيره من الروايات المتقدمة الدالة على حفظه جعلت العلماء يثقون بحفظ أبي هريرة وضبطه، ويعتنون برواياته، وكان من عنايتهم بها موازنتهم بين أسانيدها من حيث التفاوت في الصحة، إذ رويت عنهم في ذلك أقوال:
فقيل:"أصح أسانيد أبي هريرة: الزهري عن سعيد بن المسيب عنه، وقل أبو الزناد، عن الأعرج عنه، وقيل: حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة".
ومنهم من قال:"إن أصح أسانيد اليمانيين معمر عن همام عن أبي هريرة".
وقال أحمد بن صالح المصري:"أثبت أسانيد أهل المدينة: إسماعيل بن أبي حكيم، عن عبيدة بن سفيان، عن أبي هريرة"
وقال أبوبكر البرديجي:"أجمع أهل النقل على صحة أحاديث الزهري عن سالم، عن أبيه، وعن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة". (2)
(1) الحاكم: المستدرك 3/ 509
(2) الحاكم: معرفة علوم الحديث 55، والسيوطي: تدريب الراوي 1/ 46 - 48.
وأيًا قيل، فإن هذه الأقوال تدل على أهمية روايات أبي هريرة واهتمام المحدثين الواضح بها: حفظًا ووعيًا وتدوينًا حيث أخرجها أئمة المحدثين في كتبهم، فالكتب الستة وغيرها من الكتب المشهورة والمتداولة، اعتمدت روايات أبي هريرة بلا نكير عندهم، فلا تكاد تجد بابًا إلا وله فيه حديث أو أكثر.
إن المتأمل فيما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه من أحاديث يجده أنه قد سلك في روايته فها مسلكين رئيسيين:
المسلك الأول: هو الرواية المجردة للأحاديث النبوية:
وهي التي يقتصر فيها على أداء ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقوال، أو شاهده من أفعال وأحوال لتلاميذه أو للسائلين له عن حديث أو أحاديث بعينها لتحملها منه، أو للتأكد من صحة نسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك.