أصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، فحضرت من النبي صلى الله عليه وسلم مجلسًا، فقال:"من يبسط رداءه حتى أقضي مقالتي، ثم يقبضه إليه، فلن ينسى شيئًا سمعه مني، فبسطت بردة علي حتى قضى حديثه، ثم قبضها إلي، فوالذي نفيس بيده ما نسيت شيئًا سمعته منه بعد" (1)
وبهذا نرى أن أبا هريرة رضي الله عنه قد غمرته بركة صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وملازمته له، وخدمته إياه، حيث رزقه الله تعالى ببركة تلك الصحبة حفظ ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعدم نسيانه.
(1) البخاري 4/ 247 - البيوع، ومسلم بشرح النووي 16/ 52 - 53 فضائل الصحابة، واللفظ للبخاري.
كان أبوهريرة رضي الله عنه شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قوي الثقة به، يتقرب إليه بما يرضيه صلى الله عليه وسلم، يفرح لفرحه، ويحزن لحزنه، ويسوؤه النيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان من أقرب الناس إليه، فقد صح عنه أنه قال:"كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يومًا، فأسمعتني في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أكره، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا ابكي، قلت: يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام، فتأبى علي، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة."
فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اللهم اهد أم أبي هريرة".
فخرجت مستبشرًا بدعوة نبي الله صلى الله عليه وسلم، فلما جئت فصرت إلى الباب، فإذا هو مجاف، فسمعت أمي خشف قدمي، فقالت: مكانك يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة الماء، قال: فاغتسلت ولبست درعها، وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله.