5 -إن ذكره لما عاناه من جوع وفاقة، كان حريًا بأن يقدر له، لا أن يفسر تفسيرًا ماديًا نفعيًا تافهًا، لما يدل عليه من واقعية وعدم إنكار لماضيه، أعانه على التواضع وعلى استشعار نعم الله تعالى عليه، وشكره عليها بعد أن وسع الله تعالى عليه، ورفع ذكره، وأعلى قدره بالإسلام والعلم والفضل، حيث نراه يلهج بحمد الله تعالى والثناء عليه كثيرًا، من ذلك قوله:"الحمد لله الذي جعل الدين قوامًا، وجعل أبا هريرة إمامًا، بعد أن كان أجيرًا ... الحديث". (2)
وقوله:"الحمد لله الذي علم أبا هريرة القرآن، الحمد لله الذي منّ على أبي هريرة بمحمد صلى الله عليه وسلم ... الحديث. (3) "
وبهذا يتضح لنا بطلان هذه الشبهة، وأن أبا هريرة ما صحب النبي صلى الله عليه وسلم لشبع بطنه، كما زعم الزاعمون، وإنما صحبه: إيمانًا به، وحبًا له، ورغبة في جمع ما جمع منه من علم وهدى ونور.
(1) أبو نعيم: الحلية 1/ 381، والذهبي: سير أعلام النبلاء 2/ 594.
(2) ابن كثير: البداية والنهاية 8/ 113.
(3) أبو نعيم: الحلية 1/ 383.
الشبهة الرابعة
كتمانه لبعض ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
من الشبه التي أثارها بعض أهل الأهواء: أن كتم بعض ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يعد كتمانًا للوحي الذي أمر الله تعالى رسوله بتبليغه للناس، مستندين في ذلك إلى ما صح عنه أنه قال:"حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين: فأما أحدهما فبثثته في الناس، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم". (1)
وفي رواية:"حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث ما حدثتكم بها، ولو حدثتكم بحديث منها لرجمتموني بالأحجار". (2)
هذا ويجاب على هذه البشهة بما يأتي: