إن رواية الكثيرين عنه من الصحابة وثقات التابعين رضي الله عنهم، الذين زاد عددهم على ثمانمائة راو كما تقدم قريبًا، واعتماد من بعدهم من علماء الأمة وفقهائها ومجتهديها على رواياته التي صحت نسبتها إليه إلى جانب ما صحت نسبتها إلى الصحابة الآخرين رضي الله عنهم من روايات، لأدل وخير شاهد على عدالته رضي الله عنه، وأمانته فيما روى ونقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومما تقدم يتضح لمن صفت سرائرهم واستنارت عقولهم، أن الكثرة النسبية لرواياته المسندة الصحيحة: كثرة طبيعية، أسهمت في تحقيقها وإبرازها العوامل التي أوردناها في الرد على هذه الشبهة وغيرها من العوامل المساعدة، التي صاحبت حياته واتسمت بها شخصيته من صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى وفاته رضي الله عنه.
كما يتضح وبجلاء زيف هذه الشبهة، وأن منشأها إن لم يكن الجهل المجرد، فهو الهوى، أو هما معًا، ونعوذ بالله منهما.
الشبهة الثانية
استدراك بعض الصحابة عليه
ذهب البعض ممن لا خبرة لهم بطبيعة استدراك بعض الصحابة رضي الله عنهم على بعض، إلى القول: بضعف ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه، أو ضعف ما استدرك عليه خاصة، وذلك لأنه قد استدرك عليه من قبل عائشة وابن عمر رضي الله عنهما.
ويجاب عن هذه الشبهة بما يأتي:
1 -إن استدراك عائشة وابن عمر رضي الله عنهما عليه كان من الأمور التي اقتضتها طبيعة الحوار العلمي، والمذاكرة التي كانت تحصل بين الصحابة رضي الله عنهم أحيانًا، إذ قد استدرك أكثر من صحابي على غيره رواية أو مسألة علمية، فأقنع صاحبه بها، أو اقتنع هو بما عند صاحبه فيها، وهذا أمر معروف عند العلماء، ولا سيما المحدثين منهم، وهو لا يؤثر في عدالة المستدرك عليه ولا في أمانته، كما لا تؤثر مخالفة الثقة لثقة مثله: في عدالتهما، أو فيما يرويان من روايات.
وكان استدراك عائشة وابن عمر رضي الله عنهما على أبي هريرة يسير في هذا الإطار.