فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 49

بسم الله الرحمن الرحيم

إن موضوع الولاية في الزواج من القضايا التي أثارت جدلا بين فقهاء التشريع الإسلامي منذ بزوغ الفقه الإسلامي، تبعا للنصوص الواردة في مجالها، من حيث الثبوت أولا، ثم من حيث الدلالة ثانيا، حيث اعتبر أغلب الفقهاء الولاية ركنا من أركان عقد النكاح، بينما اكتفى البعض باعتبارها شرطا فقط.

ومما زاد هذا الموضوع جدلا واختلافا تأثر أفراد المجتمعات الإسلامية بثقافات وتشريعات نظم غير إسلامية، عندما فُتِح العالم الإسلامي على غيره من الثقافات والتشريعات، وخصوصا لما استعمرت أرضه، ثم انبهرت عقول بعض أبنائه بما عند الغير، فانبرت تقلده وتنقل منه دون غربلة ولا تمحيص، واتسع هذا النقل والتقليد حتى شمل مجال تشريع نظام الأسرة. ثم تطور على مستوى الشك والارتياب في صلاحية ذاك التشريع للحكم والتطبيق، خصوصا لما هاجرت مجموعات لا يستهان بها من المسلمين من بلدانهم الأصلية إلى مجتمعات غير إسلامية، فوجدوا أنفسهم في مجتمعات لا تؤمن بنفس المبادئ، ولا تخضع لنفس التقنينات التي يخضع لها المسلمون. مما أتاح فرصةً لهجوم الغير على هذا التشريع من جهة، وتَفَلُّتَ بعض أبناء المسلمين من الاحتكام إلى التشريع الإسلامي، جهلا به أو رفضا له من جهة ثانية.

وأمام هذا الواقع ـ حياة المسليمن في غير المجتمعات الإسلامية ـ الذي لا يمكن رفضه ولا الانفلات منه، إضافة إلى ضعف الوازع الديني لدىبعض الشرائح الإسلامية، ولجوء بعض المسلمين إلى الاحتكام إلى قوانين غير إسلامية. ظانين أنها أعدل من التشريع الإسلامي، أو جهلا بتلك التشريعات بالأحرى. يلزمنا كفقهاء باحثين، وخطباء موجهين، وأئمة يقتدى بهم ويسمع لفتاواهم ونصائحهم، مدارسة هذا الموضوع، انطلاقا من الأسس الشرعية التي انبنى عليها، ومراعاة للواقع المعيش الذي احتوى هذه الشريحة من أبناء المسلمين. أملا في ربط المسلمين بدينهم، وإسعادهم بشرع ربهم، وحفاظا على الحقوق المتبادلة بينهم من الضياع، وحرصا عليهم من التفلت من قوالب الشرع الإسلامي التي قد تفضي لا قدر الله إلى الانسلاخ من الدين كليا.

تلبية لهذه الاحتياجات تاتي هذه المساهمة بهذا الموضوع في مدارسة محور"الولاية في الزواج، وتطبيقاتها لدى المسلمين المقيمين في غير المجتمعات الإسلامية"التي اضطلع بدراستها"المجلس الأوروبي للإفتاء"الذي ما فتئ يعالج هموم وقضايا المسلمين في هذه الديار التي قضت مضاجع الكثير منهم.

وقد اخترت جانبا من محور الولاية في الزواج في الشرع الإسلامي، ألا وهو جانب العضل فيها، كيف نفهمه، وما مجالاته، وكيف تعامل الفقه الإسلامي معه، وما العلاج إن وقع ذلك التعسف، وما النتائج المفضية إليه، وكيفية تجاوز سلبياتها، والاستفادة من فوائده إن كانت فيه فوائد.

وقد قسمت بحثي إلى: مقدمة وأربعة فصول، تناولت في الفصل الأول، مفهوم الولاية ... وأسبابها وأنواعها ومراتبها وما للولي وما عليه، ثم انتقلت في الفصل الثاني إلى تعريف معنى الإجبار والعضل والفرق بينهما، ومجال الإجبار، ومن له حق ممارسته، وعلى من يمارَس، وسنده الشرعي، والقائل به من المذاهب الفقهية، ثم توقفت عند مفهوم العضل وحكمه، ومتى يكون الولي عاضلا. أما الفصل الثالث فخصصته للحديث عن صور العضل الواقعة بين المسلمين في بلاد الغرب ونتائجها، كما تعرضت لعلاج ظاهرة العضل، ودور الأئمة ورؤساء المراكز الإسلامية في ذلك في الفصل الرابع. راجيا من الله الصواب في القول والسداد في العمل وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت