فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 49

مما يؤسف له أنه مما شاع في كثير من المجتمعات اعتبار الولي صاحب الكلمة الأولى والأخيرة، ولا قيمة لرغبة الفتاة ولا وزن لإرادتها، فهي إما أن تخضع أو تمنع!!

وهذا لا يتوافق مع عدالة التشريع الإسلامي المبني على أساس تحمل المكلف تبعات ما يفعل وما يقول وما يمارس لا يلزم أحدا نتائج ما لم يرتكب وتبعات ما لم يوافق عليه؛ أو وافق عليه تحت إكراه حسي أو معنوي؛ وليس معنى هذا إلغاء مبدأ الولاية في النكاح الذي تقدم الكلام فيه مفصلا؛ ولكن معناه أن الولي يجب عليه أن يحرص على مصلحة موليته، يحرص أن يضعها في يد من هو كفء لها بقدر ما يحرص على تحقيق بعض مصالحه. فإذا تقدم إليها الرجل المناسب الذي رضيها ورضيته زوجا لها فلا ينبغي للولي أن يمنعها بحجة أنه سيزوجها لابن أخيه أو ابن أخته أو أحد أفراد أسرته الذين ما زالوا في البلد الأصلي من أجل أن يأتي بهم إلى أوربا مثلًا. والفتاة لا تريد واحدا من هؤلاء فيقال لها إما أن تقبلي أو تبقيْ بلا زواج طول عمرك.

وأحيانا يحصل نزاع بين أب الفتاة وأمها حيث يكون أبوها وعد بها بعض أقربائه وأمها وعدت بعض أقربائها. فتحسم البنت هذا النزاع فلا تقبل هذا ولا ذاك، تحسم النزاع حسما مؤلما فتهرب منهما معا وتلوذ بأحد بيوت الرعاية الاجتماعية، أو إلى حيث لا يعلمون، أو إلى بيوت الدعارة.

المطلب الثاني: عدم إشراك أم الفتاة في اختيار زوج ابنتها.

مما لاشك فيه أن اهتمام الأم بابنتها وعطفها عليها قد يتجاوز اهتمام الأب وعطفه أحيانا، ومن هنا راعى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الإحساس وهذا التعلق فرغب الآباء في استشارة الأمهات عند الإقدام على تزويج البنات حيث قال فيما أخرجه بعض أهل السنن عن ابن عمر رضي الله عنهما: (آمروا النساء في بناتهن) .كما أخرجه الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما مع ذكر سبب الحديث قال: عن ابن عمر رضي الله عنهما إنه خطب إلى نسيب له ابنته. قال: فكان هوى أم المرأة في ابن عمر وكان هوى أبيها في يتيم له. قال: فزوجها الأب يتيمه ذلك فجاءت"يعني الأم"إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذالك له فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (آمروا النساء في بناتهن [1] .

وتعلق هذه الصورة التي هي عدم إشراك أم الفتاة في اختيار الزوج لابنتها بالعضل هي من جهة أن الأم قد تختار لابنتها زوجا ترضاه الأم والبنت، ويختار الأب غيره، فيقول الأب إما أن توافقاني على ما اخترت أو تبقى البنت بلا زواج، يحدث هذا كثيرا وخصوصا إذا كانت الأم مطلقة، حدث مثل هذا الأمر في الماضي فكيف به الآن. جاء في المدونة: ولقد سألت مالكا امرأة ولها ابنة في حجرها وقد طلق الأمِّ زوجها عن ابنة له منها فأراد الأب أن يزوجها من ابن أخ له فأبت، فأتت الأم إلى مالك فقالت له إن لي ابنة وهي موسرة مرغوب فيها وقد أصدقت صداقا كثيرا فأراد أبوها أن يزوجها من ابن أخ له معدما لا شيء له أفترى أن أتكلم، قال نعم إني لأرى لك في ذلك متكلمًا، قال ابن القاسم فأرى أن إنكاح الأب إياها جائز عليها إلا أن يأتي من ذالك ضرر فيمنع من ذلك [2] .

المطلب الثالث: تأخير الولي زواج موليته طمعا في مالها.

مما يقع كثيرًا في هذه البلاد أن تكون للرجل بنت تتقاضى تعويضات مهمة أو تعمل عملًا ذا مردود جيد، وكل ذلك أو معظمه يقع في يد أبيها، فيتباطؤ في تزويجها لينتفع بدخلها!!

(1) ـ انظر: مسند الإمام أحمد 2/ 34 رقم 4905.

(2) ـ انظر: المدونة الكبرى 2/ 140 دار الفكر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت