دون اعتبار لرضاها ولا اهتمام بما يحقق سعادتها، بل ربما ارتكب ما يدوس كرامتها وينغص عليها حياتها وراحتها فما أشقاه من ولي وما أتعس من كان في ولاية هذا النوع من الناس. فهل يجيز الإسلام ولاية أمثال هؤلاء؟.
أول ما يمكن الاعتماد عليه في رفض ولاية هذا النوع من المستغلِّين لمن في ولايتهم ولو كانوا فلذات أكبادهم ما أخرجه البيهقي موقوفًا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لا نكاح إلا بولي أو سلطان، فإن أنكحها سفيه أو مسخوط عليه فلا نكاح له [1] . كما أخرجه الدارقطني وابن حجر والبيهقي في رواية أخرى عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا بلفظ: لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل فإن أنكحها ولي مسخوط عليه فنكاحها باطل [2] . فالولي المسخوط عليه الذي يحرص على مصلحته ولا يعير اهتماما لمصلحة موليته يحسن أن ينزع منه حق الولاية ولو كان أبا، وتسند إلى غيره من الأولياء حسب ترتيبهم، فإن فُقدوا أو كانوا من نفس المنزلة فإلى قاضي المسلمين كما نص الفقهاء على ذلك [3] .
وبهذا ينتفي زعم من زعم أو يزعم أن الولاية تسلط مطلق وأنها ضد مصلحة المولي عليه إلى غير ذلك مما يقال في هذا المجال، وقد رأينا الشروط القاسية التي اشترطها الفقهاء في الولي مما يضمن سلامة تصرفه بما يحصل المنفعة للمولي عليه ويقيه المساوئ والمفاسد.
حقوق الولي مقررة لمصلحته ومصلحة المولى عليه. فمن حقوق الولي التي يستمدها من ولايته في التزويج، حقه في اختيار الزوج الكفء لمن هي تحت ولايته. وقد لوحظ في ذلك مصلحة الولي والمولى عليه.
أما بالنسبة للمولى عليه كالصغيرة مثلا فلتحصيل الرجل الكفء، لأن الظفر بالزوج الكفء لا يكون ميسورا دائما، والزوج الكفء ضروري لتحقيق مقاصد النكاح. إذ بالكفء تصلح الحياة الزوجية غالبا، لأنه يعرف متطلباتها وحقوقها وواجباتها مما يؤدي إلى دوامها واستمرارها، وتحصيل الكفء يكون عن طريق الولي لصغر المولى عليها، وكذلك بالنسبة للبالغة عند من يقول إذن الولي لابد منه لنكاحها، فإن الولي أقدر منها على معرفة الكفء وتمييز الصفات اللازمة في الرجل المناسب لها.
هذا بالنسبة للمولى عليه، وأما ملاحظة مصلحة الولي نفسه في تقرير هذه الحقوق له فتظهر في أن الزواج في الحقيقة لا يقتصر على ارتباط الزوجين، بل يتعداهما إلى ذويهما وعائلتهما وأقاربهما عموما، فمن مصلحة الولي وهو قريب المرأة عادة أن يكون الزوج مرضيا وكفؤا. وهذا يحمله على الجهد الصادق لمعرفة الزوج الكفء لموليته.
وبناء على ما تقدم فمن حق الولي أن يختار الكفء لمن تحت ولايته وأن يرفض نكاح المرأة البالغة العاقلة إن زوجت نفسها من غير كفء عند من يقول بصحة نكاحها نفسها لأن مثل هذا النكاح يمس مصلحة الولي واعتباره كما يمس مصلحة من هي تحت ولايته.
(1) ـ انظر: السنن الكبرى للبيهقي 7/ 124 رقم 134
(2) ـ انظر سنن الدارقطني 3/ 212 والسنن الكبرى للبيهقي 7/ 124 وتلخيص الحبير 3/ 126 رقم 1512
(3) ـ انتهى من كتاب فقه الأسرة المسلمة في المهاجر للدكتور محمد الكدي العمراني. المجلد الأول، صفحة 314.