الواقع أن تصرفات الأئمة تختلف: فمنهم من هو متساهل إلى أبعد الحدود، بحيث مهما جاءته فتاة وشاب يرغبان في الزواج وتدعي الفتاة أن أباها لا يقبل أن يزوجها من هذا الشاب وهي راغبة فيه يعقد لهما، ولا يكلف نفسه الاتصال بهذا الأب ولو لمجرد سؤاله عن حقيقة الأمر، ومنهم من يرفض التدخل في هذا الأمر بأي وجه من الوجوه، ومنهم من يتصرف تصرفا سليما في نظري، وهذا ما يقوم به كثير من الإخوة الأئمة الذين نتعاون معهم، وهذا التصرف هو كالتالي:
نتصل بولي الفتاة ونحاوره ونبين له أن من الخير له أن يوافق على زواج ابنته وخصوصا في مثل هذا المجتمع، فإن اقتنع فذاك، وإن لم يقتنع وأصر على المنع، فإن كانت الفتاة من بلد إسلامي له سفارة وقنصلية في بلد الإقامة ويوجد في السفارة قاض وفي القنصلية عدول موثقون، ننصح الفتاة برفع أمرها إلى القاضي، وهو بدوره يقوم بدعوة وليها ليعرف منه سبب العضل، فإن لم يجد سببا وجيها أعطى الإذن بالزواج، والمهم أن القاضي لا يترك الأمر حتى يجد له حلا مناسبا. وإن كانت الفتاة من بلد إسلامي ليس لديه سفارة ولا قنصلية، أو لديه ولكنها لا تهتم بهذا الأمر، فإننا نركز وبإلحاح على إقناع الولي الأقرب، فإن لم يرض فمن بعده، فإن لم يوجد ننصح الفتاة بعقد الزواج أولا عند البلدية عقدا مدنيا، ثم تأتي إلى المسجد وتولي أمرها أحد المسلمين فيعقد لها العقد الشرعي، وعلى ذكر العقد المدني نحن في كل الأحوال لا نجري العقد في المسجد إلا بعد العقد المدني، حرصا منا على ضمان حقوق الطرفين، الزوجين وحقوق الأبناء إن حصل حمل وولادة.
في حالة العضل ولا حاجة إلى كل ما سبق ذكره؟ أظن أن الجواب واضح، وهو أن الإمام ليس بيده حل ولا عقد، وليس مخولا بالنظر في الخصومات، والحكم في المنازعات، فكيف يقوم مقام القاضي؟.
ومن الأمثلة التي تبين ذلك أن بعض النساء عقدن زواجهن بتولية بعض الأئمة، وبعد الزواج حصل الشقاق بين الزوجين فجاءت المرأة تطلب الحل فقال: أنا لست قاضيًا، اذهبي إلى القاضي، فكيف يقوم مقام القاضي في العقد ولا يقوم مقامه في الحل!؟
وفي كثير من الحالات يرفض الزوج الطلاق، فتبقى المرأة معلقة لا هي متزوجة ولا هي مطلقة، وفي بعض الحالات يذهب الزوج إلى حيث لا تعلم الزوجة وتنقطع أخباره عنها، وليس لديها ما ثبت أنها زوجة لتتقدم إلى الجهات المختصة لطلب العون، فتبقى ضائعة ماديًا ومعنويًا.
نعم، يمكن للإمام أن ينصح، ويقرب وجهات النظر، ويفتي بما يناسب لحل المعضلة القائمة، لكن يوجد حل انسب من هذا في نظري، وياليت المسلمين يتنبهون له، وهو تأسيس مجامع وتنظيمات"مجالس تحكيمية"تتولى هذا الأمر بالاتفاق مع سلطات البلد، حتى تكتسب قوتها من قانون البلد، فتتدخل هذه المجالس لحل هذه النزاعات وفق الشرع الإسلامي، ويتولى القضاء المدني تنفيذ تلك الأحكام على الرافض لها، وهذا حاصل في بعض المناطق في بعض البلدان الأوروبية. وقد عالج هذا المجلس الموقر موضوع التحكيم وما له من فوائد في إلزام الناس بشرع الله، في دورة سابقة، كما تدارسه مجمع الفقه الإسلامي بجدة في بعض ملتقياته السابقة، وهو أمر مسموح به شرعا، فلمَ لا يكون حلا لهذه المعضلات ريثما يتهيأ حل نهائي لمعضلات الملايين من المسلمين المقيمين في غير المجتمعات المسلمة.