وأما هذه الأصوات فهي طبيعية كالتنفس , ومعلوم أنه لو زاد في التنفس على قدر الحاجة لم تبطل صلاته، وإنما تفارق التنفس بأن فيها صوتًا، وإبطال الصلاة بمجرد الصوت إثبات حكم بلا أصل، ولا نظير.
وأيضًا، فقد جاءت أحاديث بالنحنحة والنفخ، كما تقدم، وأيضًا فالصلاة صحيحة بيقين، فلا يجوز إبطالها بالشك، ونحن لا نعلم أن العلة في تحريم الكلام، هو ما يدعى من القدر المشترك، بل هذا إثبات حكم بالشك الذي لا دليل معه). (1)
وقال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ (مجموع الفتاوى: 22/ 623 - 624) : (فأما ما يغلب عليه المصلي من عطاس , وبكاء , وتثاؤب، فالصحيح عند الجمهور أنه لايبطل، وهو منصوص أحمد وغيره، وقد قال بعض أصحابه: إنه يبطل، وإن كان معذورًا، كالناسي. وكلام الناسي فيه روايتان عن أحمد: أحدهما: وهو مذهب أبي حنيفة أنه يبطل.
والثاني: وهو مذهب مالك والشافعي أنه لا يبطل، وهذا أظهر، وهذا أولى من الناسي، لأن هذه أمور معتادة لا يمكنه دفعها، وقد ثبت أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (التثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع) . (1)
وأيضًا، فقد ثبت حديث الذي عطس في الصلاة , وشمته معاوية بن الحكم السلمي ـ رضي الله عنه ـ، فنهى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ معاوية عن الكلام في الصلاة؛ ولم يقل للعاطس شيئًا. , والقول بأن العطاس يبطل تكليف من الأقوال المحدثة التي لا أصل لها عن السلف ـ رضي الله عنهم ـ.
وقد تبين أن هذه الأصوات الحلقية التي لا تدل بالوضع، فيها نزاع في مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد، وأن الأظهر فيها جميعًا أنها لا تبطل. فإن الأصوات من جنس الحركات، وكما أن العمل اليسير لا يبطل، فالصوت اليسير لا يبطل، بخلاف صوت القهقهة، فإنه بمنزلة العمل اليسير، وذلك ينافي الصلاة، بل القهقهة تنافي مقصود الصلاة أكثر؛ ولهذا لا تجوز