الصفحة 29 من 48

عطسة شديدة راعته فغضب الملك فقال سميره: والله ما تعمدت ذلك ,ولكن هذا عطاسي فقال: والله لئن لم تأتني بمن يشهد لك بذلك لأقتلنك, فقال: أخرجني إلى الناس لعلى أجد من يشهد لي, فأخرجه وقد وكل به الأعوان, فوجد رجلا فقال: يا سيدي نشدتك بالله إن كنت سمعت عطاسي يوما فلعلك تشهد لي به عند الملك, فقال: نعم أنا أشهد لك فنهض معه , وقال: يا أيها الملك أنا أشهد أن هذا الرجل عطس يوما فطار ضرس من أضراسه, فقال له الملك: عد إلى حديثك ومجلسك.

فلما جاء الله سبحانه بالإسلام ,وأبطل برسوله - صلى الله عليه و سلم- ما كان عليه الجاهلية من الضلالة نهى أمته عن التشاؤم, والتطير, وشرع لهم أن يجعلوا مكان الدعاء على العاطس بالمكروه ,الدعاء له بالرحمة , كما أمر العائن أن يدعو بالتبريك للمعين ,ولما كان الدعاء على العاطس نوعا من الظلم والبغي , جعل الدعاء له بلفظ الرحمة المنافي للظلم, وأمر العاطس عمدًا أن يدعو لسامعه , ويشمته بالمغفرة , والهداية وإصلاح البال , فيقول: يغفر الله لنا ولكم, أو يهديكم الله ,ويصلح بالكم.

فأما الدعاء بالهداية فلما أن اهتدى إلى طاعة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ , ورغب عما كان عليه أهل الجاهلية , فدعا له أن يثبته الله عليها, ويهديه إليها , وكذلك الدعاء بإصلاح البال ,وهي حكمة جامعة لصلاح شأنه كله, وهي من باب الجزاء على دعائه لأخيه بالرحمة فناسب أن يجازيه بالدعاء له بإصلاح البال ,وأما الدعاء بالمغفرة فجاء بلفظ يشمل العاطس والمشمت كقوله: يغفر الله لنا ولكم ليستحصل من مجموع دعوى العاطس ,والمشمت له المغفرة, والرحمة لهما معا , فصلوات الله وسلامه على المبعوث بصلاح الدنيا والآخرة ولأجل هذا ـ والله أعلم ـ لم يؤمر بتشميت من لم يحمد الله, فإن الدعاء له بالرحمة نعمة فلا يستحقها من لم يحمد الله , ويشكره على هذه النعمة , ويتأسى بابيه آدم فإنه لما نفخت فيه الروح إلى الخياشيم عطس فألهمه ربه ـ تبارك وتعالى ـ أن نطق بحمده فقال: الحمد لله, فقال الله سبحانه: (يرحمك الله يا آدم) فصارت تلك سنة العطاس فمن لم يحمد الله لم يستحق هذه الدعوة , ولما سبقت هذه الكلمة لآدم قبل أن يصيبه ما أصابه كان مآله إلى الرحمة , وكان ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت