فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 80

والله سبحانه يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله، ومن ترك شيئًا عوضه الله خيرًا منه، فإذا غض بصره عن محارم الله عوضه الله بأن يطلق نور بصيرته عوضًا عن حبسه بصره لله، ويفتح له باب العلم والإيمان والمعرفة والفراسة الصادقة المصيبة التي إنما تنال ببصيرة القلب، وضد هذا ما وصف الله به اللوطيين من العمَه الذي هو ضد البصيرة فقال تعالى: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الحجر:72] ، فوصفهم بالسكرة التي هي فساد العقل، والعمه الذي هو فساد البصيرة، فالتعلق بالصور يوجب فساد العقل، وعمه البصيرة، وسكر القلب كما قال القائل

قالوا: جننت بمن تهوى؟ فقلت لهم ... العشق أعظم مما بالمجانين

العشق لا يستفيق الدهر صاحبه ... وإنما يصرع المجنون في الحين

السابعة: أنه يورث القلب ثباتًا وشجاعة وقوة، ويجمع الله له بين سلطان البصيرة والحجة وسلطان القدرة والقوة، كما في الأثر"الذي يخالف هواه يَفْرُق [1] الشيطان من ظله"وَضِدُّ هذا تجد في المتبع لهواه ـ من ذل النفس ووضاعتها ومهانتها وخستها وحقارتها ـ ما جعله الله سبحانه فيمن عصاه، كما قال الحسن:"إنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين، إن ذل المعصية في رقابهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه"وقد جعل الله سبحانه العز قرين طاعته، والذل قرين معصيته، فقال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8] ، {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:139] . والإيمان قول وعمل، ظاهر وباطن، وقال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] أي من كان يريد العزة فيطلبها بطاعة الله وذكره من الكلم الطيب والعمل الصالح، وفي دعاء القنوت"إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت"ومن أطاع الله فقد والاه فيما أطاعه فيه، وله من العز بحسب طاعته، ومن عصاه فقد عاداه فيما عصاه فيه، وله من الذل بحسب معصيته.

الثامنة: أنه يسد على الشيطان مدخله إلى القلب، فإنه يدخل مع النظرة وينفذ معها إلى القلب من نفوذ الهوى في المكان الخالي، فيمثل له صورة المنظور إليه، ويزينها ويجعلها صنمًا يعكف عليه القلب ثم يَعِدُه ويمنِّيه ويُوقد على القلب نار الشهوة، ويلقي عليها حطب المعاصي التي لم يكن يتوصل إليها بدون تلك الصورة، فيصير القلب في اللهب، فمن ذلك اللهب تلك الأنفاس التي يجد فيها وهج النار، وتلك الزفرات والحرقات؛ فان القلب قد أحاطت به النيران من كل جانب، فهو في وسطها كالشاة في وسط التنور، ولهذا كانت عقوبة أصحاب الشهوات للصور المحرمة: أن جُعِلَ لهم في البرزخ تنور من نار وأُودِعَتْ أرواحهم فيه إلى يوم حشر أجسادهم، كما أراه الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - في المنام في الحديث المتفق على صحته

التاسعة: أنه يفرغ القلب للفكرة في مصالحه والاشتغال بها، وإطلاق البصر ينسيه ذلك ويحول بينه وبينه، فينفرط عليه أمره، ويقع في إتباع هواه وفي الغفلة عن ذكر ربه قال تعالى: {وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28] . وإطلاق النظر يوجب هذه الأمور الثلاثة بحسبه.

العاشرة: أن بين العين والقلب منفذًا وطريقًا يوجب انتقال أحدهما عن الآخر، وأن يصلح بصلاحه، ويفسد بفساده، فإذا فسد القلب فسد النظر، وإذا فسد النظر فسد القلب، وكذلك في جانب الصلاح، فإذا خربت العين وفسدت خرب القلب وفسد، وصار كالمزبلة التي هي محل النجاسات والقاذورات والأوساخ، فلا يصلح لسكنى معرفة الله ومحبته، والإنابة إليه والأنس به والسرور بقربه فيه، وإنما يسكن فيه أضداد ذلك) [2] .

(1) يفرق: يخاف

(2) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي للإمام ابن القيم رحمه الله، ص 193 ـ 196.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت