عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمعه يقول:"الملحمة الكبرى بأرض يقال لها الغوطة، فيها مدينة يقال لها دمشق خير منازل المسلمين يومئذ". رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد. وقد روى أبو بكر بن شيبة عن أبي الزاهرية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"معقل المسلمين من الملاحم دمشق، ومعقلهم من الدجال بيت المقدس، ومعقلهم من يأجوج ومأجوج الطور".
وعلى هذا فالأرض المباركة بركتها بالإضافة إلى الأشياء المادية التي ذكرها المفسرون من الثمار والأشجار والأنهار والأرض المعطاء والسهل الخصيب والجبال العالية والأرض المنخفضة التي تجعلك تنتقل في ساعة أو أقل من مستوى سطح البحر إلى العلو الشاهق إلى الغور المنخفض، فهناك البركة المعنوية، والبركة المادية تتصاغر أمام البركة المعنوية، وباركها الله فجعلها القبلة الأولى يصلي إليها المسلمون، وأسرى بنبيه إليها، وعرج من مسجدها إلى السماوات العلى، وجعل مسجدها الأقصى تشد إليه الرحال، وهي عش الأنبياء، وهذا مما جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه يذهب بنفسه لإستلام القدس، ولم يذهب لإستلام المدائن ولا مصر ولا العراق رغم أنها بلاد هامة غنية.
حين يتحدث يهود وأعوانهم عن (الوطن البديل) للفلسطينيين فهم يظنون أن أي أرض يمكن أن تستبدل بالأرض المباركة، ويظنون أن الأمر أمر اسكان (لاجئين) أو استقرار مشردين، وهم يتجاهلون أن هذه الأرض لا تدانيها أرض أخرى، ولا يمكن أن يقوم مقامها وطن بديل في أي بقعة من بقاع الكرة الارضية، إذ أن هذه الأرض مرتبطة بعقيد المسلمين، سجلت في كتاب الله بوصفها القبلة الأولى، وبوصفها مسرى النبي ومعراج الرسول صلى الله عليه وسلم، وبوصفها الأرض المباركة، ولذلك فهي لا تخص الفلسطينيين وحدهم، ولا تخص العرب وحدهم، بل هي تخص المسلمين أينما كانوا وحيثما وجدوا، وما دام كتاب الله (القرآن) موجودا على الأرض يتلى، وفي الأرض مؤمنون فليس هناك إستقرار لدولة يهود، وهي في طريقها لأن تصبح من مخلفات التاريخ كما أصبحت دولة الصليبيين من قبلها من مخلفات التاريخ تؤلف الكتب عن أسباب زوالها، ويكتب الباحثون أبحاثهم ويعطي العلماء آراءهم في ذلك، إنهم ينسون الحقيقة الأزلية وهي استحالة أن يملك هذه الأرض غير المسلمين وأن تبقى في حوزة أعدائهم طويلا.
والواقع أن العالم كله لا يفقه القضية الفلسطينية أو القضية اليهودية بالأحرى، وإنما كل فئة تنظر إلى القضية من زاوية معينة تتفق مع مصلحتها، وهذه النظرة بالنسبة لمصالحها صحيحة. فالغرب ينظر للقضية على أنها امتداد للحروب الصليبية وأن يهود أداة في يديه لتمزيق الوطن الإسلامي والسيطرة على بلاد المسلمين وتهديدهم حتى لا يفيقوا مرة أخرى، فيتصدوا لقيادة الدنيا وإنقاذها مما تعانيه. والشيوعية (قبل أن تزول) تنظر إلى القضية على أن بقاء دولة يهود في بلاد المسلمين أمر ضروري لإيجاد التناقض الطبقي حسب الفكر المادي، وهي مع بقاء دولة يهود، و تحارب الطبقة الحاكمة في إسرائيل حربا طبقية بإعتبارها عميلة للغرب، ويهمها أن يبقى التناقض وعدم الاستقرار في المنطقة، لأن ذلك حسب وجهة نظرها يغذي الحركة الشيوعية وينميها، وقد ثبت فشل هذه النظرية عمليا وسقطت الشيوعية مع سقوط الإتحاد السوفياتي.
وأهل البلاد الذين أخرجوا من ديارهم (الفلسطينيون) ، ينظرون إلى القضية من زاوية أنهم شعب ظلم وشر وأضطهد، فهم يريدون حياة الإستقرار في الأرض التي ولدوا فيها أو نبت آباؤهم فيها، أو دفن أجدادهم في ترابها فهم يحنون بفطرتهم إليها ولا يريدون في الدنيا أرضا تكون بديلا لها وهذا صحيح. ولكن هذه النظرات المختلفة للقضية من زواياها المختلفة ليست هي القضية. وإنما القضية تتعلق بالعذاب المكتوب على اليهود عبر التاريخ نتيجة لسوء تصرفهم ولحقدهم على الإنسانية.
لقد حاول العالم منذ 1948 م والقوى الكبرى في العالم أو الغرب على وجه التخصيص، أن يثبت إسرائيل دولة قوية، فوضع الحلول وحاك المؤامرات. ولكن المؤامرات تفشل والطبخات تحترق، وذلك بقدرة الله وثم معاونة يهود أنفسهم حيث يرفضون كل ما يعرض عليهم حتى يأتي يومهم الموعود، وقدرهم المرصود فتزول دولتهم بآثامها وشرورها.