التي كانت العلامة المميزة للعلاقات بينهم. فقد تعاونوا في أول القرن على عزل السلطان المظلوم عبد الحميد، حين رفض أن يعطي يهود إمتيازات في فلسطين، وكان يهود في المؤتمر الصهيوني الأول الذي عقدوه في مدينة (بال) بسويسرا سنة 1897 م قد اتخذوا قرارا بالإستيطان في فلسطين التي كانت جزءا من الدولة الإسلامية العثمانية، وذهبت رسلهم إلى مقابلة السلطان في إسطنبول، ومن الذين ذهبوا لمقابلة السلطان: اليهودي (قارصو أفندي) ، ورئيس المؤتمر الصهيوني (ثيودور هرتزل) . وقد عرض هؤلاء على السلطان في بادئ الأمر أن يسدد يهود ديون الدولة العثمانية، وأن يخصوا السلطان بخمسة ملايين ليرة عثمانية ذهبا. ولكن السلطان الذي كان على وعي تام بمخططات الكفار ضد بلاد المسلمين وكان يحذر الواعين من الأمة من هذا التآمر رفض العرض.
وظن يهود أن الأمر يتعلق بقلة المبالغ التي عرضوها فأخذوا يرفعون الرشوة حتى بلغت الآتي:
تسديد ديون الدولة العثمانية، وتعمير الأسطول العثماني، ومبلغ مائة وخمسين مليون ليرة ذهبا للسلطان شخصيا. ولكن السلطان المسلم أخبرهم بأن حفنة من تراب الأرض المقدسة تساوي أموال يهود التي في الدنيا. فقرر يهود أن يتخلصوا منه، فتعاونت المحافل الماسونية مع الحركة القومية الطورانية ويهود الدونمة (الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر) مع النصارى، وتم عزل السلطان سنة 1909 م، ونفي إلى سالونيك في اليونان وأهين وعذب وشوهت سمعته، ولقد وصل الأمر بهم أن جعلوا السلطان عبد الحميد رمزا للتأخر وللحاكم الجائر. . ولكن كل ذلك إلى حين، حيث بدأت تنكشف الحقائق وأنه كان - رحمه الله - من أخلص حكام المسلمين.
وكان يهود قد تعاونوا مع الإنجليز في أثناء الحرب، وكان (وايزمان) اليهودي عالما كيماويا، فأستغل مخترعاته في أثناء الحرب، وكذلك البيوتات المالية اليهودية، مثل روتشيلد، إستغلت حاجة بريطانيا لمخترعاته وأموالهم. وكانت بريطانيا لا تزال العدو الأول للمسلمين، فأعطت يهود (وعد بلفور) في 2 / نوفمبر / 1917 م، وكان ذلك أثناء الحرب بإتفاق مع أمريكا، وينص الوعد على إنشاء وطن قومي ليهود في فلسطين، وكان هذا أول تعاون بارز بين بريطانيا النصرانية ويهود.
وبعد الحرب العالمية الأولى أنشئت عصبة الأمم المتحدة، وفي سنة 1922 م أعطت حق الإنتداب لبريطانيا النصرانية على فلسطين لتضع البلاد إقتصاديا وثقافيا وعمرانيا وسياسيا في وضع يتحقق منه إنشاء الوطن القومي اليهودي. وبالفعل قامت بريطانيا النصرانية بهذا الأمر شر قيام. فعينت أول مندوب سام لها في فلسطين من يهود وهو (هربرت صمويل) .
استمر هربرت صمويل مندوبا ساميا في فلسطين لمدة ست سنوات، وضع فلسطين خلالها في وضع يساعد على إنشاء الوطن القومي ليهود، فسن قوانين إباحة الهجرة اليهودية، وتغاضى عن الهجرة اليهودية (غير الشرعية) ، وفرض ضرائب باهظة على الأرض حتى يضطر الفلاح العربي المسلم إلى بيعها، وأباح إستيراد القمح من استراليا وبيعه بأرخص من القمح الذي تنتجه أرض فلسطين، وحتى لا تقوم الأرض بتكاليفها وتكاليف معيشة الفلاح. ومع هذا فإن هذه السياسة لم تنجح في أن يبيع أهل فلسطين أرضهم وبقوا متشبثين بها، بالرغم مما يقوله أعوان اليهود وسماسرة الحكام من أمثال المدعو: أنيس منصور رئيس تحرير مجلة (إكتوبر) المصرية الذي قال بكل وقاحة:"إن اليهود اشتروا فلسطين شبرا شبرا"، حتى يبرر لسيده أنور السادات المرتد، مناداته ببقاء دولة اليهود في فلسطين. والواقع هو أن يهود كانوا يملكون من أرض فلسطين 2% سنة 1918 م وحتى 1948 م كان مجموع ما يملكه يهود من فلسطين 5.8% حسب إحصائية الأمم المتحدة. ولم يكن الـ 5.8% بيعا من أهل فلسطين، وإنما كان من الأراضي التي تملكها الدولة وأعطتها بريطانيا النصرانية ليهود، وبعض العائلات الإقطاعية التي كانت تمتلك قسما كبيرا من شمال فلسطين، وكانت تقيم في لبنان، ومنها عائلة سرسق (نصارى) وعائلة سلام (مسلمة) باعت أراضيها ليهود.
وأخذ الشعب في فلسطين يقاوم سياسة التهويد، ويتشبث بأرضه، فقام بالثورات المتلاحقة فكانت ثورة سنة 1920 م، وثورة سنة 1929 م حينما إدعى يهود ملكيتهم لحائط البراق وأنه من بقايا هيكل سليمان، ثم ثورة سنة 1933 م، ثم الثورة الكبرى من عام 1936 م إلى 1939 م، حيث قام الشعب كله يصارع بريطانيا ويهود ويضرب المثل للدنيا في