إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون) [آل عمران: 111] ، فهم يدمرون ويرهبون، ولكنهم لا ينصرون، ولقد جاءت معركة بيروت الأخيرة عام 1982 م لتكشف حكمة قرآنية مذهلة، فبالرغم من أن يهود حشدوا كل جيشهم في المعركة مع أسلحة أمريكا والغرب، إلا أنهم لم يستطيعوا أن يدخلوا بيروت خلال ثمانين يوما من القصف والحصار. وبذلك عرف الناس أن الجيوش العربية لم تحارب منذ عام 1948 م، وأن فلسطين وسيناء والجولان سلمت تسليما.
ولو أن الحكام الذين والوا يهود والنصارى لم يوقفوا تقدم الجيوش ولم يمنعوها أن تقتحم أرض سيناء وأرض فلسطين لأنتهت دولة يهود، وبان أن المقصود من المعركة هي خطة لتحريك القضية بدأت بالزيارة الملعونة المشؤومة التي قام بها حاكم مصر (السادات) إلى القدس، وإنتهت في ليلة مشؤومة أخرى بتوقيعه على وثيقة الإستسلام بتاريخ (26/مارس/1979 م) .
والسادات بمعاهدته هذه ظن أن يهود سيعطونه سيادة كامله على سيناء بعد أن قدم لهم الأرض المباركة كلها والقدس والأقصى رشوة، ولكنه كان مخدوعا فالله أصدق منه حين يقول (أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا) [النساء: 53] .. فسينقض عهده معهم أو عهدهم معه فريق آخر يأتي للحكم، وإن نقض يهود للعهود هو من أسباب لعنة الله عليهم (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية) [المائدة: 13] ، ولذلك فلن يتورعوا في احتلال سيناء مرة اخرى وبسهولة لأنها منزوعة السلاح حسب الاتفاق أو المعاهدة.
ولذلك ليس هناك مجال لمعاهدة أو صلح أو تعايش مع يهود إلا أن يعيشوا في ظل دولتنا، فالأمر أعمق وأخطر وأكبر مما يتصوره الجهلة من الحكام والساسة وأصحاب النظريات المنهارة من الماسونيين يمينا إلى (الشيوعيين) يسارا، وما بينهما من دعاة القومية ومهازيل السياسة العالمية الذين يظنون أنهم يخدمون أمتهم وما رأت أمتهم على أيديهم إلا البوار والهلاك. وستمضي أمتنا في طريقها إلى النصر رغم كل الخيانات لأنها بدأت تعود إلى اسلامها، وبدأ اسلامها يعود إليها، وبدأ التكبير (الله أكبر) يتجاوب صداه على إمتداد العالم الإسلامي كله، وبدأت أمتنا تشعر برياح العز ونفحات الإيمان وانبثاق فجر النصر بعد ظلام الهزيمة الدامس، وفرقة القومية المظلمة، وسيطر الكفر الذي ظن أنه قتل فينا كل روح للمقاومة. وفجأة، فإذا العملاق يتململ، وإذا النور يشع، وإذا كل شيء يتغير، وتبدأ من فلسطين في إنتفاضتها الإسلامية، وفي الجزائر بتيارها الإسلامي الجارف بقيادة (جبهة الإنقاذ الإسلامية) والتي تسعى بكل قوة وثبات لإعادة خلافة الإسلام الراشدة .. وهكذا في بقية العالم العربي والإسلامي بدأ ينتشر الضياء ويولي الظلام في معركة شرسة حيث يدافع الشيطان عن مواقعه وحكام التجزئة عن مغانمهم ومكاسبهم.
كان هدف الكافر المستعمر أن يوقع اليأس في قلب الأمة الإسلامية، ويقنعها بأنها قد فقدت مقومات النصر، وأنها لا تصلح للحياة. ولقد استطاع أن يبعد الدين عن حياتها، وعمل ذلك خلال قرنين من الزمن بعد أن استيقظ من هزيمته في الحروب الصليبية، وعرف أن سر نصر هذه الأمة هو الإسلام، فأراد أن ينزعها من الإسلام أو ينزع الإسلام منها. وكان الغرب في هذا الوقت قد بدأت فيه النهضة الصناعية التي قلبت وسائل الحياة المادية عنده، وأعطته من أسباب القوة والمنعة الشيء الكثير. وكان العقل الإسلامي في هذا الوقت قد أصابه الجمود وأغلق باب الإجتهاد، وتولى قيادة الأمة أناس يغلب عليهم الجهل، وعلماء الأمة تاهوا في الخلافات المذهبية والمحاككاة اللفظية، والانتصار لآراء الأئمة والمذاهب الفقهية بالحق أو الباطل، وضعفت اللغة العربية التي هي وعاء الإسلام، ولم تصبح هي اللغة الرسمية، وغلب عليها السجع والمحسنات اللفظية، والكلام الممل والأسلوب الهابط. وصاحب ذلك خرافات وأباطيل نسبت إلى الإسلام زورا وبهتانا. مما سهل على الغرب أن يغزو الأمة وهي في هذا الخمول الذهني والإنحطاط الفكري، إذ بعدت عن إشراقة الإسلام، وفصاحة القرآن، والنظرة الصائبة، والفكر العميق الذي لازمها في القرن الأول والثاني والثالث وإلى حد ما في القرنين الرابع والخامس من الهجرة، ثم تفككت بعض أجزائها بعد ذلك، واستقل بعض ولاتها ببعض أجزائها، وصارت دولا ودويلات، وانفصل مغرب الأمة عن مشرقها في كثير من الأحيان. وأمتنا لا تنتصر إلا إذا فكرت بعمق، وأخذت الإسلام بصدق، وفهمت القرآن بإشراق روحي، فلما كانت كذلك استمرت منتصرة لم تتقهقر، متقدمة لا تتراجع، واثقة بالله ربها، وأنها خير أمة أخرجت للناس.