فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 55

يهود وسلوكهم التخريبي. ولا شك في أن (مار) قد إعتمد في نظريته العنصرية على نظرية جرينو الفيلسوف السياسي الفرنسي. وقد هيأت الظروف سلسلة من الفضائح المالية في ألمانيا إشترك فيها يهود لجأوا لإستعمال هذا العداء العنصري، حتى لقد أخذ به (بسمارك) في برنامجه السياسي سنة 1879 م خاصة وأنه وجد خصومة عنيفة لسياسته الجمركية من حزب الأحرار الذي كان يتزعمه اليهوديان (لاسكر وبامبرغر) .

وسار بعد ذلك في ألمانيا العداء بين المسيحيين واليهود في عالم الفكر والسياسة جنبا إلى جنب. ففيلسوف ألمانيا السياسي (تريتشكه) (Treitchke) اخترع نظرية التعارض بين الآرية واليهودية، ونشرها من كراسته في جامعة برلين، وأوجد الجملة التي ذهبت مثلا بين الألمان:"أن اليهود بلاؤنا"، كما ساهم الفيلسوف (نيتشه) في حركة تحتقار اليهود في ألمانيا. ولكن المرجع الكلاسيكي عن نبذ اليهود كجنس يتمثل في كتاب"أسس القرن التاسع عشر" (Foundations of th 19 th Century) الذي كتبه عالم ألماني من مولد إنجليزي هو (هوستون ستيوارت تشامبرلن) سنة 1898 م. وقد حل هذا الكتاب مرجعا إلى أن أخذ مكانه كتاب (كفاحي) الذي ألفه"هتلر"دستورا للحركة النازية.

ولم تكن هذه المؤلفات الفكرية عن السياسة الأوروبية لمناهضة يهود وأثرهم المفسد في الحضارة الصناعية البرجوازية، أثناء القرن التاسع عشر إلا ينابيع لحركة المقاومة ضد اليهود في أوروبا سواء كانت حزبية أم شعبية، فقد أصبحت مراجع لتبرير التكتل الأوروبي ضد الخطر اليهودي. وتنقلت الأفكار الأساسية عن ذلك الخطر على الجنس والسياسة والإقتصاد والدين بين دول أوروبا على مختلف أنظمتها الاجتماعية.

وقد إلتقى فكر الإنجيل الذي يحمل يهود (اللعنة) إلى يوم القيامة بوصفهم (قتلة المسيح) ، حسب زعمهم، مع التجربة العادية التي كان يحسها المواطن العادي في علاقته اليومية مع اليهود، ولذلك ترجمت هذه الأفكار العدائية إلى منظمات سياسية، ففي ألمانيا تكونت عصبة محاربة السامية تحت زعامة القسيس اللوثري (أدولف شتوكر) الذي أسس إتحاد العمال الإشتراكي المسيحي، وقد زاد حركة بغض يهود لهيبا وانتشارا بين جماهير الشعب أن ظهر زعيم شعبي في شخص (هيرمان الفرت) الذي إستطاع في سنة 1891 م أن يرفع قضية قتل بعض يهود من أجل طقوسهم الدينية. وقد أدت القضية إلى زيادة النقمة والبغض على يهود.

ولم تتخلف فرنسا عن ركب المحاربين لنفوذ يهود الذي إمتد إلى جميع الميادين من سياسية وإقتصادية وإجتماعية. فحين تألمت برلين من سلوك يهود تألمت براغ وفيينا وكذلك باريس من سلوكهم، وإن كان الفرنسيون قد وضعوا أصبع أوروبا على الداء الجديد بما أفهمهم كتابهم عن خطر يهود. فكان (إدوراد ريمون) الصحفي الباريسي البارع الأسلوب زعيم الكتاب الفرنسيين في هذا المجال أثناء العشرين عاما الأخيرة من القرن التاسع عشر إذ ألف كتاب (فرنسا اليهودية) الذي تدفقت من عشرات الآلاف نسخه كل شهر من مطابع باريس، وتلقفته الأذهان تلقفا نادر المثال، كما أنه أسس صحيفة (القول الحر) في سنة 1892 م فأستطاع بكتابه وصحيفته أن يقدم غذاء حيا مثيرا لحملة سياسية قوية ضد يهود، عدو أوروبا المشترك.

تعاون الكفر والسياسة في محاربة اليهود في ألمانيا، وفي الإمبراطورية النمساوية المجرية، ففي المجر كان للقسيس الكاثوليكي (روتبخ) أعمق الأثر في إزاحة الستار عما تشتمل عليه تعاليم يهود القديمة خاصة ما جاء فيها بالتلمود من دعوة إلى تدمير غير اليهود، وقد ضمن هذه الأفكار كتابه (يهود التلمود) الذي نشره عام 1871 م.

وما أن عين أستاذا للديانة الكاثوليكية في جامعة براغ حتى إنتشر ذكره وعمق أثره، وتجاوبت تعاليمه مع الحركة السياسية المعادية ليهود في براغ. ولم يكن القسم النمساوي من الإمبراطورية بأهدأ حالا من الناحية السياسية، إذ تيقظ الوطنيون في فيينا لما يمثله يهود في حياة الإمبراطورية من عوامل الفساد والإستغلال، فوضعوا أسس الحركة المعادية ليهود وكان من أبرز قوادها الدكتور (لوجز) الذي بارك البابا حزبه سنة 1895، والذي أنتخب محاظا لمدينة فينا في العام نفسه، ولكن الإمبراطور قاوم إنتخابه بأن رفض تعيينه في منصبه ولم يوافق على ذلك إلا بعد أن أعيد إنتخابه أربع مرات. وإصرار أهل فينا على إنتخاب الدكتور (لوجز) رغم معارضة الإمبراطور دليل القوة التي بلغها بين الشعب والزعماء الذين إستهدفوا محاربة يهود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت