أن يغضب لمنظر عمه، وأن يغضب للتمثيل به وهو سيد الشهداء، فقال:"والله لئن أظهرني الله عليهم -يعني المشركين أو قريش- لأمثلن بهم مثلة لم تعرفها العرب قط"، فنزل عليه قول ربه مؤدبا له (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين * وأصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون * إن الله مع الذين إتقوا والذين هم محسنون) [النحل: 126 - 128] . فيصعد النبي (صلى الله عليه وسلم) المنبر ويقول:"كنت قلت لكم كذا وكذا، وقد أنزل الله علي هذه الآية".. ثم تلاها وأعلن للناس أنه سيصبر.
وليس هناك علم من العلوم في تاريخ الإنسانية كلها تعب عليه أهله في جمعه وتمحيصه وبيان صحيحه من المكذوب على رسول الله، والقوي من الضعيف كعلم الحديث عند المسلمين حتى تفرع"علم الحديث"إلى عدة علوم:"علم الحديث"في حد ذاته، و"علم الرجال"، و"علم الجرح والتعديل"، ووضعت شروط قاسية لأخذ الحديث، وألفت كتب كثيرة في جمعه، أشهرها الكتب الستة المعروفة، والله سبحانه وتعالى يقول آمرا المؤمنين (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فأنتهوا) [الحشر: 7] . ويقول (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) [الأحزاب: 21] . إذن أحباب الله هم الذين يؤمنون بالله وما أنزل من كتب، وما أرسل من رسل (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) [البقرة: 136] .
ولذلك أي إنسان يكفر بالله ورسوله وبالإسلام فيعتنق مبدأ غير الإسلام أو لا يؤمن بصلاحية الإسلام لتنظيم الحياة، أو يعتقد أن الإسلام يجب أن يحصر في العبادات وليس له دخل في السياسة ولا في القيادة ولا تنظيم علاقات الناس المختلفة فقد كفر. ويجب أن نقطع العلاقة معه إلا أننا يجب أن ندعوه بالحسنى إن كان من أهل الكتاب، وإن كان أصله مسلما فقد ارتد، والمرتد معروف حكمه في الإسلام وهو القتل بعد مناقشته واستتابته ثلاثة أيام.
ولقد خرج علينا المضبوعون بالثقافة الغربية من الحكام عملاء الغرب الدعوة إلى"توحيد المؤمنين بالله"من أصحاب الأديان المختلفة حتى يكونوا جبهة واحدة أمام الإتحاد السوفياتي الشيوعي السابق، وهؤلاء لا يتورعون أن يقولوا عن يهود أنهم مؤمنون، وعن النصارى أنهم مؤمنون، مع أن الإيمان في الإسلام هو الإيمان بالله وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى. ويهود والنصارى غير"مؤمنين"إيمانا صحيحا في نظر الإسلام لأنهم لا يؤمنون بنبوة محمد (صلى الله عليه وسلم) ، ولا يؤمنون بالوحدانية، فالنصارى تقول إن المسيح إبن الله، وهم في نظر الإسلام يجب أن يعتنقوا الإسلام إن أرادوا أن يكونوا في عداد المؤمنين الناجين .. نعم نحن لا نكرههم على ترك دينهم (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا إنفصام لها والله سميع عليم) [البقرة: 256] . (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا * أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا) [النساء:150 - 151] . لذا لا يجب أن لا نداهن أحدا من غير المسلمين أو نكذب عليه وعلى الله وعلى أنفسنا فنقول عنه إنه"مؤمن"مجاملة من أجل دنيا أو مصلحة أو رزق (أفبهذا الحديث أنتم مدهنون * وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون) [الواقعة: 81 - 82] .. والنتيجة الحتمية لمن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا أنه يصبح من حزب الله، ويترك حزب الشيطان لأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. والكفار بعضهم أولياء بعض، مهما تنوعت أسماؤهم، ومهما كان جنسهم، ومهما كانت لغتهم، ومهما كان موطنهم.
منذ أن قامت دولة يهود بحبل من النصارى، وبعون من الحكام العرب الموالين لهم. لم تدخل الأمة معهم في معركة حقيقة، وإنما كانت المعارك في مجموعها أقرب إلى التمثيل وتنفيذ المخططات. . ففي عام 1948 م - عام النكبة الأولى - لم يكن يهود يملكون جيشا بمعنى الجيش في فلسطين، ولا سلاحا فتاكا، ولا دبابات، ولا طائرات، وإنما كانوا يملكون بعض المصفحات والمدافع الصغيرة والرشاشات، ولذلك لم يستطيعوا أن يهزموا أهل البلاد. وكان أهل البلاد منتصرين عليهم حتى دخلت الجيوش العربية ـ وكان عددها في ذلك الحين سبعة جيوش - لا أكثر الله من عددهم لأنهم علامة الفرقة - فتغير الموقف، وبدأت المعارك، فلما كاد أن يقضى على دولة يهود، وهي وليدة، أعلنت الهدنة الأولى، فقبلها حكام الهزيمة، هزيمة عام 1948 م.