فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 55

وهذه الفئة القيادية من أحباب الله لا تغتر بقوتها، ولا بقدرتها العقلية والفكرية، وإنما هي تعيش مع القرآن تتلوه، متعبدة به، وهي تقوم في جوف الليل تبكي متضرعة إلى ربها أن يمدها بقوة من عنده، وفيما بين الليل والنهار لا تفتر عن الذكر (يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلا * نصفه أو انقص منه قليلا * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا * إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا * إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا * إن لك في النهار سبحا طويلا * وأذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا) [المزمل: 1 - 8] .

وكان قيام الليل فرضا على النبي (صلى الله عليه وسلم) وعلى أصحابه، ولكن أصحابه لا يطيقون ما يطيق، ولا يقدرون على ما يقدر، فخفف الله عليهم قيام الليل، فلم يعد قيام الليل فرضا، وإنما استعيض عن ذلك بتلاوة القرآن (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فأقرأوا ما تيسر من القرآن) [المزمل: 20] .

وهكذا النفس المؤمنة تكون قريبة من الله. إن النفس التي تتحمل عبء التغيير ومقارعة الأحداث ومصادمة الظلم ومطاردة الظلام، لا بد لها من غذاء مادي وروحي .. غذاء مادي:"حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه"كما ورد في الحديث، وغذاء روحي بدوام الصلة مع الله كما رود في حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :"أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه". وهكذا يعين الله أحبابه فلا يكلهم إلى نفوسهم، ولا يتخلى عنهم ما داموا معه صادقين، وعلى الحق قائمين.

وهذه الفئة التي إختارها الله أو سيختارها من أحبابه ينتقيها هو فتبرز فجأة قد صفت نفوسها، وتعلق قلبها بربها، حينما يراها الناس يتعجبون من أمرها: كيف إختارها الله؟ ولم وقع عليها الإختيار؟ فيجيب الله المتسائلين (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم) [المائدة: 54] ، فالله حر الإختيار، محيط بنفوس خلقه، عليم بخفاياهم (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) [ق: 16] ، فهو يختارها وهو يعلم خبايا نفوسها وحديث قلوبها ومقدرتها على تحمل العبء واستعدادها للقيادة.

ثم تمضي الآيات لتبين للمؤمن من يوالي في الدنيا، فيكون ارتباطه به لا ينفك عنه بعد أن بينت الآيات أنه لا تجوز موالاة يهود والنصارى، لأنهم يتآمرون على هذا الدين، ولا يؤمنون بالله رب العالمين إيمانا صحيحا، ولا يؤمنون برسوله محمد (صلى الله عليه وسلم) الأمين وهو خاتم النبيين وآخر المرسلين، فتقول الآيات: يجب أن يكون ولاؤنا معشر المؤمنين لله (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) [المائدة: 55] . والولاء لله يقتضي الطاعة المطلقة، والعبودية الحقة، وأن توحد فيه الألوهية، وأن توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية ألا يشرك مع الله أحدا في العبادة، فلا يعبد إلا الله، ولا يسجد إلا لله، ولا يستعين إلا بالله، ولا يستغيث إلا بالله، فإذا صفت في نفسه العقيدة، فتعلق قلبه بالله، اتبع أوامره واجتنب نواهيه في كل شؤونه. وتوحد الربوبية هو الإعتقاد بأن الله هو النافع وهو الضار وهو الرازق وهو المحيي وهو المميت.

فلذلك فالولاء لله يقتضي نبذ الشرك، فلا يشرك مع الله إله آخر من بشر أو شجر أو أفلاك أو زعيم أو فكر أو علم أو حزب من هذه الآلهة المتعددة التي عبدها الناس من دون الله، وكذلك لا يعبد المال كما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :"تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة".

وبعد أن نوالي الله جلت قدرته نوالي رسوله، فنتبع ما أمر به ونبتعد عما نهى عنه، ونقتدي به في حياته وسلوكه، وولاء الرسول هو من الولاء لله. يقول الله تعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) [آل عمران: 31] ، ولذلك فإن الدعوة الكافرة المشبوهة التي قال بها بعض ممن يزعمون الإسلام ونادوا باعتبار القرآن فقط، و عدم الإعتراف بالسنة النبوية، وهم يظنون أنهم قد أتوا بجديد، وهم لا يعلمون أنهم يسيرون على درب قوم سبقوهم بالضلال فنادوا بالقرآن فقط، وأنهم لا يعترفون بالسنة .. هي دعوى يراد بها هدم الإسلام من أساسه بإنكار السنة أولا تمهيدا لإنكار القرآن فيما بعد .. والسنة هي وحي (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى) [النجم: 3 - 4] . ولذلك فيما يتعلق بالتشريع كان النبي (صلى الله عليه وسلم) لا يقره ربه على خطئه، وإن كان هو سيد البشر، فقد كان يصيبه ما يصيب البشر من الغضب أو الحزن أو الهم، فيتخذ قرارا لا يقره ربه عليه. فهو (صلى الله عليه وسلم) حينما رأى عمه حمزة وقد مثل به المشركون وبقروا بطنه ولاكوا كبده، غضب لمنظر عمه، وحزن على عمه وهو الفارس المقدام (أسد الله) وأسد رسوله، دافع عن النبي (صلى الله عليه وسلم) وعن الإسلام، فكان طبيعيا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت