فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 55

وأخذ يهود يشعرون أن شباب الأمة قد بدأ ينظر إليهم نظرة حقيقية، وأنهم ليسوا اداة في أيدي الإستعمار فقط، وإنما هم - كذلك - كفار يقاتلوننا بكفرهم ويريدون استئصال إسلامنا وهدم مقدساتنا وتفريغ أمتنا من وجودها الحضاري لتصبح ألعوبة في أيديهم. وفجأة كانت هذه النظرة، التي بدأت ترتعد لها فرائص أبطال (كامب ديفيد) من يهود والنصارى ومن الذين والوهم!!. فكيف حدث ذلك؟ مع أنهم أنفقوا آلاف الملايين عبر العقود والسنين، ليطمئنوا على كفر هذه الأمة وعدم عودتها إلى دينها!!! والجواب: قوله تعالى (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون) [الأنفال: 36] .

إن صفحة جديدة قد فتحت في تاريخ الإنسانية، بدأت تكتب على أيدي هذا الشباب المتعلم المسلم الذي بدأ يرتاد المساجد، ويلفظ أماكن اللهو، يتدارس القرآن، ويرفض قصص اللهو والجنس، ويصوم في النهار القائظ تقربا إلى ربه، ويعمل ليكون جنديا من جنود الإسلام، بعد أن رأى الناس تتكالب على متع النصارى ويهود فهلكت الأمة على أيديهم والكفار وأعوانهم ينتزعون البقعة المباركة من أيديهم وتخرج المؤمنين من ديارهم ومن بيوتهم ومن مساجدهم بغير ذنب إلا أن يقولوا ربنا الله.

وكان كل ذلك في غيبة الإسلام عن الساحة وإبعاده عن المعركة، حتى يتمكنوا من إقامة دولة يهود على الأرض التي سار في دروبها الأنبياء وسجد عليها الشهداء، وارتفع من فوقها الآذان، وصلى على ترابها المصلون، وبكى في مساجدها المتضرعون. وما علم يهود أنهم جاءوا إلى هذه الأرض بقدرهم، وأن الله ساقهم إليها لمصيرهم (فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا) [الإسراء: 7] . ويقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) :"لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون يهود فيقتلهم المسلمون فيقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبدالله هذا يهودي ورائي تعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر يهود".

وهذه الدلائل التي أشرنا إلينا، تتمثل في ناحية إيجابية وأخرى سلبية، أما الإيجابة فمظهرها في يقظة الشباب المسلم وعودته إلى المساجد وإلى الإسلام وإلى الكتب التي ألفها علماء المسلمين عبر التاريخ، والتي تشرح علاج الإسلام لمختلف مشاكل الحياة، وفي هذا التحرك الجماهيري الذي بدأ هنا وهناك في بلاد المسلمين؛ في تركيا وفي مصر وفي بقية أنحاء العالم الإسلامي من الجزائر إلى أندونيسيا، الذي سيستمر حتى يكون سيلا جارفا بإذن الله، يذهب بالكيانات المصطنعة، وبالأفكار المستوردة وبعادات الكفر التي قلدناها. . يذهب ذلك كله إلى مزبلة التاريخ لتعود أمتنا أمة واحدة، الله ربها ومحمد نبيها والقرآن كتابها والكعبة قبلتها وشريعة الإسلام نظامها ودستورها.

أما الناحية السلبية - والتي تدل على الخير أيضا - فهي تتمثل في فشل الحركات القومية في بلاد المسلمين، وفي فشل الأحزاب والدساتير والأفكار والمواثيق التي أرادوا لها أن تحل محل الإسلام، ولكن هذا كله كان ينافي الفطرة الإسلامية، والفطرة الإنسانية التي فطر الله الناس عليها. وحينما يأتي الله بالفتح أو (أمر من عنده) وتتكشف الحقائق فيذهل المؤمنون الذين كانوا يظنون في بعض القيادات خيرا، ويرون في بعض الحكام أبطالا، فيقول هؤلاء للمؤمنين وهم في ذهول (أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين) [المائدة: 53] .

إن"الفئة القيادية"التي تريد أن تتصدى لتغيير المجتمع، يجب أن يكون مثلها في ذلك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وخلفاؤه الراشدون الذين استمروا على تقشفهم بعد أن فتح الله الدنيا عليهم، فالترف يقتل في النفس حوافز التحدي، لأن النفس بطبيعتها والجسم بطبيعته يخلد للترف وينام في النعيم ولا يقبل التحدي، لأن في قبوله للتحدي ما قد يؤدي به إلى خسران الترف والنعيم، وبما أن نفسه قد إعتادت الترف، وجسمه قد إستكان إلى النعيم، يصعب عليه أن يتخلى عنهما، أما إذا بقي على تقشف وعاش في الحد الأدنى من المأكل والملبس، فهو يقبل التحدي بسهولة لأنه في تحديه لا يخسر شيئا، ولا تتغير عليه وسائل العيش وهو لم يقبل الترف، وكما ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيما روته عائشة - رضي الله عنها - أنه كان يمر الشهر والشهران فلا يوقد في بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم النار، وإنما يعيشون على الأسودين (الماء والتمر) . فالنبي (صلى الله عليه وسلم) وخلفاؤه الراشدون عاشوا في الدنيا لا لينعموا بها ولكن ليصلحوها ويقوموا الناس على درب الحق وعلى الصراط المستقيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت