فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 55

وأخذ الكفر يقاتل عن مواقعه بشراسة حتى إضطر المسلمون إلى الهجرة مرتين فرارا بدينهم، وحرصا على عقيدتهم، وحتى يأذن الله بالفرج.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم في مكة يقارع قومه الحجة، يبين باطل ما هم فيه وما عليه حياتهم، ولكنهم أصابهم الكبر وأشتد فيهم العناد، وكان الله قد هيأ له زوجة صالحة تعتني بأمره وتدعمه بمالها، وتخفف عنه قسوة عناد قومه، وجهل عشيرته، وهيأ له كذلك عمه أبا طالب يحميه، ويمنعهم من قتله، وإن لم يمنع عنه ما دون القتل من الأذى، وهم مع هذا يحسبون حساب عمه (لإنه زعيم قريش) .

ثم إن خديجة - رضي الله عنها -، وأبا طالب ماتا في عام واحد قبل هجرته بثلاث سنين، فعظمت المصيبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بموتهما، وذلك أن قريشا وصلوا من أذاهم بعد موت أبي طالب إلى ما لم يكونوا يصلون إليه في حياته منه، حتى نثروا التراب على رأسه داخل البيت الحرام، فقامت إليه ابنته فاطمة الزهراء -رضي الله عنها- تغسل عنه التراب وهي تبكي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"يا بنية لا تبكي فإن الله مانع أباك"، رواه الطبري.

ولما إستعصت قريش، وصمت آذانها، وأغلقت قلوبها وعقولها، اتجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، فلما وصلها عمد إلى نفر من ثقيف هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، وهم ثلاثة إخوة: عبد ياليل بن عمرو بن عمير، ومسعود بن عمرو بن عمير، وحبيب بن عمرو بن عمير، فردوه ردا غير جميل. فقال أحدهم:"هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله قد أرسلك"، وقال الآخر:"أما وجد الله أحدا يرسله غيرك"، وقال الثالث:"والله لا أكلمك أبدا لئن كنت تكذب على الله ما ينبغي أن أكلمك".

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف، وقد قال لهم، فيما ذكره شيخ المؤرخين المسلمين الطبري:"إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني"، وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يبلغ قومه عنه فيذئرهم ذلك عليه فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى إجتمع عليه الناس وألجأوه إلى بستان لعتيبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخذ يناجي ربه مناجاة الصابر المحتسب يطلب منه المدد والعون حيث قومه لا يستجيبون للنور ولا يلتقون على الخير، والطائف كانت أسوأ من مكة، وأقسى من قريش. فأخذ يقول، كما يروي الطبري:"اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس يا أرحم الراحمين، أنت رب المستعضفين، وأنت ربي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري. إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو تحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك".

في هذا الجو القاتم الشرس كان الله بنبيه رؤوفا رحيما، وكان حادثة الإسراء من مكة إلى القدس، وكان المعراج من أرض المسجد الأقصى إلى السماوات العلا، إلى سدرة المنتهى عندها جنة المأوى. وكان في الإسراء أكثر من معنى، وأثره لا يزال على مر الأيام وكر السنين.

يكرم الله نبيه على صبره، ويجازيه الجزاء الأوفى على تحمله، فيستدعيه إليه، ويقربه منه، ويرفعه إلى درجة لم يصلها أحد من خلقه حتى ولا الملائكة المقربون، ويقدم له أرض الشام، أرض فلسطين، أرض القدس، أرض المسجد الأقصى، هدية إيمان وجائزة رضوان فيفتح النبي صلى الله عليه وسلم أرض الشام، ومنها ارض فلسطين فتحا ماديا بجسده الشريف. يعلن الله للدنيا في ذلك الحين، وللدنيا في كل حين أن المسجد الأقصى أصبح مسجدا للمسلمين، فيصلي فيه النبي الصلاة الإسلامية الأولى إماما للأنبياء المرسلين، حيث أحياهم الله له، ويصلي الصلاة الثانية بعده عمر وأبو عبيدة، وكبار الصحابة والجنود المؤمنون يوم دخل عمر القدس، وأستلمها من بطريركها صفرونيوس وأعطاه العهدة العمرية التي تنص فيما نصت عليه:"أن لا يسكن إيلياء (القدس) أحد من اللصوص واليهود". وذلك أن كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا على علم منه لا يعلمه بقية الناس. وهذا النص في الوثيقة يدل على مبلغ فهم عمر لخطر يهود على هذه الأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت