هذه المسارعة قالوا (نخشى أن تصيبنا دائرة) [المائدة: 52] . فهم يخافون على كراسيهم، ويخافون على دنياهم، وكأنهم في الدنيا خالدون، ولذلك يقولون (نخشى أن تصيبنا دائرة) . وهذا تصور منهم أن مصيرهم مرتبط بيد أعدائهم من يهود والنصارى، إذا رضوا عنهم استمروا في سلطانهم وحكمهم، أو في ملذاتهم وامتيازاتهم، وإذا غضبوا عليهم أصابتهم الدوائر من عزل واستبدال، مع أنهم لو توكلوا على الله فعملوا بما يرضي الله وتوحدوا على كلمة الإسلام فإن الله يكفيهم شر عدوهم (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) [الطلاق: 3] . وما تعلقت أمة ولا فرد ولا جماعة بالله فخذلها الله. ومن خوف الحكام كان التفريط في الأرض المقدسة، والعمل لتثبيت دولة يهود. وكان أشد الحكام (وطنية) أو (تطرفا) ممن والى يهود النصارى ينادي بقرارات التقسيم، ثم توالت الهزائم، وسقطت قطع أخرى في أيدي العدو، وبدأ أشدهم تطرفا ينادي بإعادة ما أخذ عام 1967 م، أو بالأحرى ما سلم عام 1967 م، حيث لم تحدث معركة حقيقية على جميع الجبهات المحيطة بدولة يهود!!. وبدأت المطالبة تتقلص حتى وصلت كامب ديفيد حيث رأينا حاكما، ممن والى يهود والنصارى يعطي فلسطين كلها ليهود وإلى الأبد (حسب تخيله) ، وكل ذلك لأنه يخاف على الترف الذي يعيشه و (النعيم) الذي يحياه، وهو في خوفه الدائم يخاف الحرب، ويريد أن يمنع عن الأمة الإستشهاد، ويعلن إلغاء الجهاد متحديا بذلك ربنا وعقيدتنا حيث الجهاد فريضة من فرائض الإسلام، وهو ذروة سنام الإسلام، جعله الله مكرمة للمسلمين حتى يستشهدون وينعمون في جنات النعيم. ولقد أمر الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن يستمر الجهاد إلى يوم القيامة حيث يقول:"الجهاد ماض إلى يوم القيامة لا يبطله عدل عادل ولا جور جائر". ويقول تعالى (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) [البقرة: 216] . وتوهم هذا الحاكم أنه يستطيع أن يقامر على عقيدة الأمة وكتاب الله وحضارة الإسلام، وأن يجعل أمتنا أرقاما تافهة، وعقولا فارغة، وأن يغرقها في المتع الرخيصة، والحياة المهترئة، وأن يفكك الأسرة، ويحرم علينا الجنة، حيث الجنة محرمة على الأذلاء، لقوله تعالى (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا * إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا * فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا) [النساء: 97 - 99] . ويتساءل سائل: أين يهاجر المسلم اليوم وقد إنحرف الحكم بالإسلام في كل بلاد المسلمين، فنقول له: إن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أجاب عن ذلك بقوله:"لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية"، وهذا الحاكم الذي قامر بحضارة المسلمين، أصابه الغرور فصدق تصفيق الجماهير التي ساقها أعوانه لتصفق له، وظن أن هذه الجماهير تؤيده حقيقة، وهي جماهير مسكينة لا تدري ماذا تفعل، تساق إلى المذبح وهي تصفق، ويتآمر على مصيرها وهي ترقص، وصدق الله العظيم (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا) [الفرقان: 44] . وإلا فهل هناك عاقل من المسلمين المكلفين شرعا يخرج ليستقبل أعداءه من يهود هاتفا بحياتهم وحياة زعمائهم الذين اغتصبوا أرضه، وأذلوا قومه، وهتكوا عرضه، ودمروا المدارس بأطفالها، وحرقوا القرى بمن فيها، وبقروا بطون الحبالى، ولم يتورعوا عن بقر بطون الأطفال. هذه الجماهير التي كم صفقت لقاتليها، ورقصت لذابحيها، على إستعداد لأن تصفق لكل قادم، وعلى إستعداد لأن تلعن كل ذاهب، وهي بين التصفيق وبين اللعن معرضة عن ذكر الله، وبذلك أصابها العمي (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) [طه: 124 - 126] .
وهذه الجماهير لا تؤمن بالله إلا وهي مشركة، ولكل فرد منها معبود مع الله، فهذا يعبد الزعيم، وهذا يقدس أقوال الحاكم، وذاك يعبد المال أو المتاع، وآخر يعبد الشيخ، وآخر يعبد الحزب. وهذه الجماهير المسكينة التي ضللتها زعاماتها، وخانها علماؤها من أعوان الحكام الذين باعوا آيات الله بثمن بخس من أجل منصب تافه أو عرض زائل.
بينا فيما سبق كيف أن الموالاة بين يهود والنصارى لم تحدث إلا في هذا القرن عداوة لله ولرسوله وللمسلمين، وكيف أنهم تعاونوا على إقامة دولة يهود مع أنهم كان يضطهدون بعضهم بعضا، أو بالأحرى كان النصارى يضطهدون يهود. وبينا أن فئة أصلها من جماعة المؤمنين تعاونت مع يهود والنصارى في ضر الأمة وتمزيقها والمعاونة لإقامة دولة يهود. وبينا كيف سارعت هذه الفئة بعد أن تحولت إلى منافقة في قلبها مرض إلى إرضاء يهود والنصارى، وأن الفئة الباغية استمرت في بغيها وضلالها مما جعل الفئة القليلة من المؤمنين في حيرة من أمرها، حيث الفئة الحاكمة المتسلطة على بلاد المسلمين إرتدت حينما والت يهود والنصارى (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) [المائدة: 51] فأخذت الفئة القليلة المؤمنة تتطلع نحو السماء وتسجد متضرعة إلى الله. ومن هذا الوضع اليائس تأتي الآيات