التي نحن بصددها فتعطي أملا للحائرين، وتبشر المؤمنين بأن الله سبحانه وتعالى سيغير الأمر بحكمته حيث يقول (فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين) [المائدة: 52] ، و"عسى"للترجي، ولكنها في حق الله لليقين، والفتح هنا الفصل والحكم، كما قال الله تعالى (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين) [الأعراف: 89] ، أي: افصل واحكم. إذ أن الآية تتحدث عن الموالاة بين يهود والنصارى، هذه الآية قد نزلت بعد فتح مكة، لأن سورة المائدة من أواخر سور القرآن نزولا، فقد روت عائشة رضي الله عنها قالت:"آخر ما نزل من كتاب الله سورة كاملة، سورة المائدة فأحلوا حلالها وحرموا حرامها"، وليس المراد (بالفتح) فتح بلاد المشركين، كما قال بعض المفسرين ايضا، إذ أن عملية الفتح الإسلامي بدأت في بلاد الوثنيين والصابئة كبلاد فارس والهند، وفي بلاد النصارى كبلاد الشام ومصر. ولم يكن هناك تعاون في أثناء الفتح الإسلامي بين يهود والنصارى، ولذلك تعين المعنى أن الفتح هو الفصل والحكم، وأن الله سيفصل في الأمر بين الفئة المؤمنة وبين المتسلطين من الحكام على بلاد المسلمين الذين تعاونوا مع يهود والنصارى.
وفي الآية إشارة إلى أن أرضا من أرض الإسلام ستسترد من يهود والنصارى بعد أن إستولوا عليها حيث سيفتحها الله على أيدي المؤمنين (فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده) و"أو"هنا ليست لتخيير، لأن"أو"معانيها ثلاثة: فهي تأتي للتخيير، أو لمجرد العطف، أو للإباحة. و"أو"هنا لمجرد العطف حيث للتخيير في حق الله لا يجوز، لأن الله يعلم ما يريد. ولذلك يتحدث الله في الآية عن فتح وأمر من عنده يغير واقع المسلمين المرير، ويفسد به على الفئة التي والت يهود والنصارى أمرها.
والفتح الذي أشارت إليه هذه الآية سيأتي قريبا بإذن الله، وأمر الله بدأ يمهد الدرب للنصر المرتقب، وعلامته هذه الظاهرة العجيبة التي بدأت في كل بلاد المسلمين بعود الشباب المثقف إلى الإسلام فجأة بعد أن يئس من الأيدولوجيات المستوردة، والتي ما رأت الأمة في ظلها إلا الهزائم المتلاحقة والتجزئة والفرقة، ففكر تفكيرا جيدا، فأهتدى إلى الله، وأصبحت هذه الظاهرة موضع بحث في العالم الكافر كله، وفي العالم الإسلامي أيضا. ولقد أصدر الرئيس الأمريكي السابق كارتر إلى رجال مخابراته أمرا بدراسة هذه الظاهرة، وألفت كثير من الجامعات لجانا لدراسة هذه الظاهرة، وهم يعلمون أن الأمر يتعلق بمرحلة أخبرت عنها الآيات والأحاديث، وصدق رسول الله الذي قال:"قلوب العباد بين اصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء".
وهذا التغيير من ظواهره أيضا فشل الكمالية والكماليين بعد خمسين عاما من الجاهلية التي أراد بها (مصطفى كمال أتاتورك) بوصفه اليهودي مجهول الأب أن ينزع الإسلام من تركيا أو ينزع تركيا من الإسلام نهائيا وإلى الأبد. ولكن الشعب التركي المسلم الذي انخدع قسم كبير منه في أول الأمر بالكمالية والكماليين - نسبه إلى مصطفى كمال -، حيث عمل يهود والنصارى على إضفاء صفة البطولة على مصطفى كمال، وأنه ينقذ تركيا من الإستعمار، رغم أن مصطفى كمال لم يكن بطلا ولا شبه بطل، ولكن بعد أن سلم سوريا في الحرب العالمية الأولى إلى الحلفاء في عملية إنسحاب خسيسة، وكان قبلها قد شارك في تسليم طرابلس الغرب سنة 1911 م إلى إيطاليا، واستطاع أن يصل بدهائه وغدره وخيانته وبمعاونة الغرب إلى قيادة الجيش العثماني الذي حارب الحلفاء بعد دخوله تركيا، وفي هذه الأثناء تمت الصفقة، إذ أظهر آخر الخلفاء العثمانيين (عبد المجيد خان) بمظهر الخليفة المستسلم الضعيف المتعاون مع الأعداء في إسطنبول، وأظهر مصطفى كمال كبطل التحرير الوطني، فكان أن إنسحب الحلفاء من تركيا مقابل ما أعلنه (أتاتورك) فيما بعد وهو أن يلغي (الخلافة) إلى غير رجعة، ويعلن تركيا دولة علمانية، ويلغي الأحرف العربية، وأن يجعل الآذان باللغة التركية، وأن يمحو كل مظهر إسلامي في الحياة التركية. وهكذا سارت الأمور، وأصبح أتاتورك معبود الجماهير المضللة في تركيا وخارج تركيا بإعتباره بطلا وطنيا. ولكن عقيدة الشعب التركي المسلم كانت أقوى من المؤامرة وأصلب من الخداع، فسرعان ما بدأ يستيقظ على الحقيقة المخيفة، فأدرك أن أتاتورك لم يكن بطلا وطنيا ولا زعميا ملهما ولا قائدا حكيما، وإنما كان محطم أمة مشوه تاريخ، وعدوا لله ولرسوله وللمؤمنين، وأنه كان ألعوبة في أيدي يهود والنصارى، وأنه كان من يهود الدونمة، الذين هاجروا من إسبانيا بعد خروج المسلمين من الأندلس واستقروا في سالونيك وتظاهروا بالإسلام وأخفوا الكفر وأسسوا المحافل الماسونية، وعملوا بدهاء وصبر - بعد أن وصلوا إلى أعلى المراكز بأسمائهم الإسلامية - على تحطيم الدولة وذهاب الخلافة، وظن الناس، وظن يهود والنصارى أن تركيا قد إنتهى الإسلام بها أو إنتهت من الإسلام، ولكن الأمر كان على غير ما يتوقعون. فعقيدة الشعب المسلم ممتدة في جذور عميقة في نفسه، والإسلام هو حياته، وهو عاداته، وهو مجده، وهو إنتصاراته، وهو إستشهاده، ولذلك فإن بقايا الأحزاب التي أقامها أتاتورك حينما تريد أن تخدع الشعب وتنافق الشعب يحمل زعماؤها المصاحف، ويقبلونها أمام الجماهير المسلمة ليستمروا في خداعها. ولكن كل