فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 55

وجاءت الفضائح السياسية والمالية التي إشترك فيها ثلاثة من مشاهير اليهود المضاربين تؤكد بالفعل على ما ينادي به أمثال هؤلاء الزعماء، وجاءت قضية الضابط اليهودي (درايفوس) الذي أتهم بأنه تآمر مع الألمان ونقل أسرارا حربية فرنسية إلى قيادتهم، وقد أخذت هذه القضية دورا كبيرا في فرنسا، وإزداد حقد النصارى على يهود.

ولما كانت أوروبا تسيطر عليها النصرانية، التي تلعن يهود، في دولها الغربية والشرقية، فقد وجدت صورة مشابهة لعداء اليهود في الغرب في دول أوروبا الشرقية. ففي رومانيا كان يهود يعملون كوسطاء ووكلاء للنبلاء الأستقراطيين. وقد زاد من أهميتهم أن الطبقة الوسطى كانت شبه معدومة، وكان الفلاحون في حالة من البساطة والسذاجة مكنت من إستغلالهم بواسطة يهود، فكرههم شعب رومانيا كرها عميقا، لأنه رأى فيهم أصحاب السيطرة الحقيقية على مصائره المعيشية، خاصة أنهم أضافوا إلى مقدرتهم على إستغلالهم، باسم النبلاء إستغلالهم عن طريق المتاجر وإقراض المال بالربا الفاحش. ولقد زاد السخط بين شعب رومانيا مع الزمن على يهود وأنتهى سخطهم بثورة ضدهم.

وإن كان تاريخ يهود في رومانيا قد حفل بالحوادث أثناء القرن التاسع عشر، إلا أن تاريخهم في روسيا القيصرية قد تجاوب في أحداثه وبعد أثره على نطاق إمتد في الزمان والمكان إمتدادا إتفق ومكانة روسيا وظروفها. ومن ثم كان من الطبيعي أن يكون تفاعل يهود مع الروس في جسامته وحدته متلائما مع ضخامة أعدادهم وخسائس أفعالهم، وحاولت روسيا أن تحدد إقامتهم بأن تخصص لهم أقاليم لا يبرحونها إلى سواها دون إذن من السلطات العامة، وقد إحتوت تلك الأقاليم على أكثر من نصف يهود في العالم. وقد استغل يهود روسيا بالإضافة إلى الربا وإقراض المال صناعة الخمور وبيعها، بل إن تجارة الخمور أصبحت حكرا عليهم. ولذلك عاش الأهالي في دين مستمر لأصحاب الحانات اليهود. فأضيف إلى الحقد الذي نتج عن سوء سلوك يهود وإستغلالهم للشعب الروسي إلى ما تعلموه من المسيحية التي تدعوهم إلى كره يهود ولعنهم، لأنهم صلبوا المسيح حسب زعمهم، وكان الكره الروسي متجاوبا مع نشاط يهود العنيف في استغلالهم. ولقد أشيع عند إغتيال الإسكندر الثاني سنة 1881 م أن ليهود يدا في ذلك. ولذلك قام الفلاحون وأهل المدن بهجوم كان القصد منه تدمير يهود للأخذ بالثأر لمليكهم المصلح في ربيع سنة 1881 م. وتكرر الإعتداء في صيف العام نفسه، وفي ربيع العام الذي تلاه.

وقد أصدرت الحكومة بعض القوانين المؤقتة لتنظيم إقامة يهود لقاء استفزازهم للشعب وهجوم الشعب عليهم من حين لآخر استجابة لعقيدتهم المسيحية، واستجابة لسوء سلوك يهود الذين كتب الله عليهم المسكنة والذل فألهمهم الخطأ في السلوك لتضربهم الشعوب. وقضت هذه القوانين بعد إقامة مستوطنات جديدة أو شراء أملاك أو سلع خارج المدن، كما أنها لم تسمح لهم بالعمل في أيام الآحاد والأعياد المسيحية.

ولقد إزداد يهود سخطا بهذه القوانين التي أطلق عليها (قوانين مايو) ، وأصابهم الذعر من المذابح المتكررة التي تلاحقت بهم حتى بلغت أقصاها في حوادث سنة 1905 م. وقابلوا ذلك بالهجرة إلى أوروبا وأمريكا وبالحركات السرية في روسيا.

وقد حاول الغرب من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار أن يسد بابه دون يهود، وأن يفتح أمامهم باب الشرق العربي. وما أن تفجرت الحرب العالمية الأولى سنة 1914 م حتى كان الغرب قد وصل إلى سياسة إغلاق الباب نهائيا في وجه المهاجرين من يهود، لأن هؤلاء المهاجرين من روسيا إلى هذه البلاد الغربية لم ينسوا أن يصحبوا معهم ثقافتهم وطرق حياتهم الخاصة، مما أثار شكوى الدول الأوروبية وإعلانها لرأيها عن تجربتها المؤلمة معهم. فهم لم يتخلوا عن نظريتهم المعادية للمجتمع المحيط بهم، ولم يتخلوا عما تنطوي عليه نفوسهم من قسوة وضغائن. وظهر ذلك بطريقة عملية في مزاولتهم لأعمالهم العادية أثناء السلم، وفي محاولة الهرب من الخدمة العسكرية عقب إندلاع الحرب العالمية الأولى في سنة 1914، ولم يراعوا المنافسة الحرة الكريمة في العمل، فحاول العمال اليهود أن يعملوا بأجور منخفضة إنخفاضا يضر بمصالح العمال غير اليهود في بلدان أوروبا الغربية، كما حاول المشتغلون منهم بالتجارة أن ينافسوا غيرهم من التجار بعرض سلع رخيصة والإكتفاء في أغلب الأوقات بنصف الأرباح المعتادة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت