فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 55

ولما اقتضى أن تحمل الدعوة إلى خارج الجزيرة، خرج جيش المسلمين فقاتل النصارى في ديار الشام لأول مرة في معركة مؤتة ولم يشترك يهود في المعركة. إذن هذه الآيات هي من آيات الغيب التي تتحدث عن فترة زمنية قادمة يتعاون فيها اليهود والنصارى، ويوالي بعضهم بعضا للتآمر على المسلمين. وهذه الآيات التي أخبرت عن مستقبل آت هي من قبيل قوله تعالى في (سورة الروم) بسم الله الرحمن الرحيم (الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم * وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون) [الروم:1 - 6] . وهي من قبيل قوله تعالى (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما إستخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأؤلئك هم الفاسقون) [النور: 55] .

وبالفعل انتصرت الروم بعد فترة وجيزة على الفرس كما وعد الله في كتابه، وبالفعل حقق الله وعده للمؤمنين فأصبحوا خلفاء الأرض يعمرونها، وأصبح دينهم هو الدين المسيطر، وأصبحوا يعيشون في آمن وطمأنينة في بلادهم وفي كل بلد دخلها الإسلام. وإلى غير ذلك من الآيات المستقبلية الكثيرة في القرآن.

ولما كان القرآن هو كتاب الله الخالد إلى يوم القيامة، ويتحدث عن مسيرة البشرية إلى أن تلقى ربها، فمن البديهي أن يشير إلى الأحداث الكبرى في صراع المسلمين مع أعدائهم من يهود ونصارى، وكم من الآيات التي نقرأها اليوم فنقف أمامها خاشعين لأنها ترسم صورة المجتمع الذي نعيشه، كقوله تعالى (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون) [الأنعام: 65] . أليست هذه الآية واحدة من الآيات التي ترسم صورة ما عانته الأمة وما تعانيه من فئات متباينة وأحزاب متلاعنة وحروب محلية وإستعمال للطائرات والقنابل والألغام والمدافع بين الفئات المتحاربة من الأمة الواحدة. هذه الأسلحة الحديثة (من فوقكم أو من تحت أرجلكم) لم تكن معروفة وقت نزول هذه الآية، وهذا يدل على أن هذا القرآن هو معجزة الله الخالدة ينبه الأمة لأن تسير طريقها السوي وتمشي صراطها المستقيم، وإلا حل بها عذاب في دنياهم مصداقا لقوله تعالى (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون) [السجدة: 21] . وحينما نقرأ آية أخرى من هذه الآيات التي تتحدث عن فترات زمنية قادمة بعد نزولها تمرض فيها الأمة مرضا ماديا، فتنصرف إلى التمتع بالملذات والجري وراء الشهوات والإنغماس في الرذائل، وذلك نتيجة إنصرافها عن عبادة الله وعن الجهاد والذكر، وكيف أن ذلك سيؤدي بها إلى الهلاك والدمار، لأن الترف دائما يمزق الأمم ويهدم الحضارات، لأنه يفقد الأمة صلابتها ويقتل روح التحدي فيها فتستريح من تعب الجهاد وتنام مسترخية فيدب في جسدها التفسخ، وذلك حينما تعرض عن الجهاد وعبادة الله التي خلقت من أجله. يقول تعالى (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم ملبسون * فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) [الأنعام: 44 - 45] .

أرأيت الصورة الإعجازية الربانية كيف ترسم الواقع الذي تعيشه البشرية الآن التي أعرضت عن الله، فلم تتوقف بينها الحروب المدمرة. ففي هذا القرن وقعت حربان عالميتان أصابت شرورهما الإنسانية جمعاء. وفي هذا القرن إندلعت كثير من الحروب المحلية المحدودة التي دمرت البلدان التي إشتركت فيها. وفي هذا القرن حيث أعرضت الإنسانية عن ربها نهائيا، كثرت الزلازل والفيضانات وحوادث الصقيع والجليد التي يعطي الله بها الإنذارات للبشرية علها تعقل. ألم تر إلى نيويورك وهي أكبر عاصمة مادية في الكرة الأرضية، كيف نهبت في ليلة واحدة حينما سادها الظلام نتيجة لإنقطاع التيار الكهربائي قبل بضع سنين.

والقوتان العظميان تحشدان الأسلحة النووية الفتاكة، والأسلحة الجرثومية، وتتفننان في إختراع ما يؤدي إلى هلاك البشرية، وهما في نفس الوقت يدعوان إلى الإلحاد وينشران الفساد، فأعرضت البشرية تحت توجيههما عن ذكر الله. فهل يحدث خطأ مقصود أو غير مقصود فتخرج هذه الأسلحة المخزونة من عقالها لتدمر البشرية؟؟.

ونحن في العالم الإسلامي بدأنا نلحق بالبشرية الضالة، نلهث وراء الموضة ونقلد بوعي وبدون وعي، نأكل ما يأكل الكفار، ونلبس ما يلبسون، ونشرب ما يشربون من حلال أو حرام، وأخذنا ننصرف عن الوحي، عن القرآن والسنة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت