فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 55

إلينا ولم يخرجونا من ديارنا، ولم يظاهروا على إخراجنا، فهؤلاء نحن مأمورون بأن نحسن إليهم، وندفع عنهم الأذى، ونقاتل في سبيل حمايتهم كالنصارى في بلاد المسلمين ما لم ينقضوا العهد كما فعل الموارنة في لبنان. يقول الله تعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) [الممتحنة: 8 - 9] . وتقتضينا هذه الآية ألا نحترم مصالح الدول التي عاونت على إخراجنا من ديارنا وألا ندعم إقتصادها، فيهود ليسوا بأكفاء لنا في المعركة - على ضعفنا - ولكن دول الغرب وعلى رأسها أمريكا وروسيا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، غذتهم بالسلاح والمال ليقتلوننا وليثبتوا في أرضنا، ولولا هذا المدد لما بقيت دولة يهود في أرضنا هذه المدة.

وبذلك فإن على دول البترول وأثرياء المسلمين الذين يدعمون اقتصاد الغرب ويودعون أموالهم في بنوكه (وهي بنوك يسيطر عليها يهود) أن يسحبوها، وإلا كانوا من الذين خالفوا القرآن ووالوا يهود والنصارى، وإلا كانوا شركاء في إذلال أمتهم وظالمين لها ولأنفسهم، وشركاء في دعم دولة يهود، وشركاء في قتل الأطفال والنساء وإرهابهم وهدم البيوت. وهم شركاء في ضم مساجد يافا وحيفا وبقية الأرض المباركة التي حول يهود كثيرا منها إلى مراقص وحانات للخمور لليهود.

إن الكثرة الكاثرة من الجماهير لا يعول عليها في التغيير، لأنها لا تعرف ما يضرها وما لا ينفعها، ولذلك هي حينما تهتف بعقلية القطيع الذي لا يعي، وحينما ترقص ترقص بنفسية المذبوح الذي لا يدري، وحينما تؤيد تساق إلى التأييد سوقا. ومن هنا خرجت علينا قضية التأييد المطلق للحاكم، أو للرأي الذي يريده بنسبة 99 وتسعات مكررة أخرى. أما الذي يقبل بوعي ويؤمن بتبصر فهم أهل الحل والعقد: الفئة القيادية، الواعية القليلة. هذه الفئة هي التي تتغير فتؤمن بالإسلام فيغير الله ما بها من جاهلية. عند ذلك يتغير المجتمع على أيديها فيتبعها الناس .. هذه الفئة القليلة هي التي تعنيها الآيات الكريمة (وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله) [البقرة: 249] ، (وقليل من عبادي الشكور) [سبأ: 13] ، (ثلة من الأولين * وقليل من الآخرين) [الواقعة: 13 - 14] .

ولما كان مجتمع الرسول (صلى الله عليه وسلم) المجتمع الأمثل والأكمل، فإنا نراه قد ربى أصحابه من المهاجرين والأنصار تربية ربانية، فطهرهم من أدران الشرك، وخلص نفوسهم من أوساخ الجاهلية، وجعلهم نماذج تحتذى فكان هؤلاء هم القادة، وهم المعلمون وهم النماذج الحية للإسلام الحي، طبقوه على أنفسهم وعملوا فيما بعد على تطبيقه في أرجاء الأرض، والناس بعد ذلك كانت تبعا لهم، ولكن الناس لم يكونوا على مستوى إيمانهم ولا فقههم ولا بصيرتهم. قال الله تعالى (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم) [الحجرات: 14] . ولذلك حين توفي الرسول (صلى الله عليه وسلم) اهتز المسلمون هزة عنيفة، حتى أن عمر بن الخطاب أصابه الذهول، فلم يصدق الخبر وقال:"إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم يمت ولكن ذهب يناجي ربه كما ذهب موسى يناجي ربه". ولكن جاء كبير المؤمنين وشيخ المصدقين أبو بكرالصديق - رضي الله عنه وأرضاه - ودخل المسجد، فلم تذهله الفاجعة عن الحقيقة باعتباره التلميذ الأول لخاتم النبيين (صلى الله عليه وسلم) ، ووقف بجانب المنبر، وقال:"من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت"، ثم تلا قوله تعالى (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل إنقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين) [آل عمران: 144] .

وحين سمع أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الآية سلموا الأمر لربهم، وبدأوا يتحملون المسؤولية كاملة، وتركوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مسجى على فراش الموت، وذهبوا لينتخبوا الخليفة الأول، حيث لا يجوز أن يبقى المسلمون بدون إمام يرعى شؤونهم ويتولى نشر الدعوة، ويرسل الجيوش، ويطبق أحكام الله في الأرض.

وأما الكثرة الكاثرة من الذين (أسلموا) ولم (يؤمنوا) فقد إرتدوا على أعقابهم كافرين، ولم يبق على الإسلام إلا ثلاثة مساجد: مكة المكرمة والمدينة المنورة والبحرين. وظنت هذه الجماهير الجاهلة وقياداتها الجاهلة أن الإسلام قد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت