فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 55

لذا في عقيدة النصارى أن يهود قد صلبوا المسيح، وجاءت نصوص في الأناجيل الموجودة بين يدي النصارى حاليا تحمل يهود دم المسيح، وأن اللعنة تلحقهم إلى يوم الدين، ومن هنا تركزت العداوة بين يهود والنصارى عبر التاريخ. ولما كان النصارى هم أصحاب السلطات في الغرب (أوروبا وأمريكا) فعمدوا إلى يهود فاضطهدوهم وعذبوهم وقتلوهم. فلم تبق دولة أوروبية إلا وأضطهدت يهود باسم المسيحية .. في إنجلترا، في فرنسا، في ألمانيا، في إيطاليا .. وغيرها، كانت تسن القوانين لإضطهاد يهود، وتضيق الخناق عليهم بحيث تكون حياتهم قاسية مريرة. وكان يهود يردون على هذه القوانين بأساليبهم الخاصة، بتخريب اقتصاد تلك الدول بالدس والخديعة وتخريب الأخلاق وإشعال الحروب.

يقول الدكتور صابر عبد الرحمن طعيمة في كتابه (اليهود بين الدين والتاريخ) :"مهما اختلف الرأي حول البواعث الحقيقية لعمليات الطرد والتعذيب التي كان يلقاها يهود في أوروبا تضييقا واضطهادا من قبل مسيحيي أوروبا، فإنه حدث وخاصة في عام (1348 م) و (1349 م) أن قام المسيحيون بموجة من الاضطهاد ليهود، كان فيها المسيحيون يتخذون من قتل يهود وسيلة للتقرب إلى الله الذي يكرههم ويمقتهم. كان يهود يبذلون جهدهم لمقاومة موجات الإضطهاد الأوروبي، فإن موقف الشعوب الأوروبية بمختلف اتجاهاتها كانت ترى التخلص من يهود تحررا من الخطر الرابض وسط التناقض الأوروبي والمخطط له من قبل يهود لإستبقائه وتعميق أسبابه."

وإني أقدم أمثلة لما قامت به دول أوروبا المسيحية من عذاب لليهود على مر التاريخ"."

لقد حدث في أغسطس سنة 1401 م أن أصدر الملك روبرشت (1400 - 1410 م) قرارا بطرد جيمع يهود من إقليمي الراين وبافاريا، كما حرص الملك على وجوب إرتداء اليهود ملابسهم الخاصة التي سبق أن ابتدعها عام 1210 م البابا (ينوسينت الثالث) ، ومن ثم أخذت هذه العادة تنتشر في كثير من الدول الأوروبية.

وظل يهود عرضة للتقتيل والحرمان والتشريد حتى جاء فريدريك الثالث (1470 - 1493 م) فشعر بعبء الضائقة المالية التي تعانيها البلاد بسبب القيود التي فرضتها الكنيسة وأصحاب الجاه من الإقطاعيين على الأهالي، سواء أكانوا مسيحيين أم يهودا، فتدخل القيصر وأعلن حمايته ليهود، ولكن حدث أن وجد طفل لم يتجاوز الثانية من عمره مقتولا في ترنيت بإيطاليا عام 1445 م، وأتهم المسيحيون اليهود بقتله، وأنتشرت المذابح هناك، ومنها إنتقلت إلى مدينة نورنبرغ الألمانية حيث تعرض يهودها لكثير من الأعمال الوحشية عام 1476 م.

وحدث أن مجلس مدينة نورنبرغ تقدم برجاء عام 1473 م إلى القيصر فريدريك الثالث بطرد جيمع اليهود من المدينة، فأهمل القيصر هذا الرجاء حتى جاء القيصر ماكميلان الأول (1493 - 1519 م) ، وأصدر في يوليو عام 1498 م قرارا بإجابة هذه الرغبة وطرد اليهود نساء ورجالا من المدينة.

ولم يقف طرد يهود وإجلاءهم عند هذا الحد، بل أخذت المدن الأخرى إلى التسابق للتخلص منهم. وحدث عام 1509 م أن شخصا يدعى يوحنا كورون (كان في الأصل جزارا يهوديا ثم ترك اليهودية إلى المسيحية) تقدم إلى القيصر ماكميلان ورجاه مصادرة جميع الكتب اليهودية وإتلاف تلك التي جاءت فيها إساءة للمسيحية. وحاول يوحنا هذا كسب العالم الإنساني رويشلين إلى صفه، إلا أن رويشلين رفض التعاون رغبة في الإبقاء على الكتب اليهودية فسبب موقفه هذا خصومة حادة مع جماعة الدومينيكان في كولونيا (وكانوا متعاونين مع يوحنا) فأخذوا يكيدون للعالم رويشلين، ويقاومون الرغبة التي دعت إلى تعليم اللغة العبرية، وتوجه رويشلين إلى دراسة المؤلفات العبرية من الناحية اللغوية. وقد إنتصر يهود في هذه المعركة العلمية الأدبية حتى أن البابا ليو العاشر سمح للطباع المسيحي دانيال روتنبرغ بطبع الطبعة الأولى للتلمود، إلا أن رويشلين، بالرغم من هذا التوفيق، كان قد أصبح في موقف حرج جدا بسبب كيد الدومينيكان ودسائسهم مما إضطر إلى طلب المساعدة ووساطة اليهودي يونس فودة الطبيب الخاص للبابا بالتدخل في سبيل فض هذه الخصومة. ولم يقف رويشلين وحيدا في هذه الخصومة بل سانده المصلح البروتستانتي مارتن لوثر (1483 - 1546 م) ، وخاصة من الناحية اللاهوتية، فاليهودي في رأي لوثر يجب أن يعتنق المسيحية لأنه أخ للمسيح وأن المسيح يهودي. إلا أن أمل لوثر في تنصير اليهود تلاشى، فخاصم اليهودية لموقفها من التعاليم المسيحية اللاهوتية. وقد أثر موقف لوثر هذا من اليهود على وضع اليهود في أوروبا وإشعال روح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت