فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 55

، وفي هذه الحقبة الزمنية فتح الله على البشرية أبواب كل شيء بحيث أصبحت حياة سهلة ميسورة لا مشقة فيها ولا عنت. الطعام يأكله الإنسان شبه مهضوم، واللباس يشتريه مخيطا، وكل يوم لباس جديد وموضة جديدة. وجاءت السيارات وتبعتها الطائرات وتطورت وسائل المواصلات حتى صغرت الكرة الأرضية، وأصبحت في متناول الإنسان يرتادها في يومين أو ثلاثة أو في يوم أو في بضع يوم. وجاءت الكهرباء ومشتقاتها: آلة تطبخ وأخرى تغسل، وثالثة تنظف، ورابعة تكوي، وخامسة وسادسة إلى ما لا يعد ولا يحصى. وتفنن الناس في بناء القصور وزخرفتها، وأصبح الديكور في البيوت يكلف أكثر من البيت نفسه، ورأينا في عواصمنا نحن المسلمين بيوتا تبنى يسكن فيها زوجان يكفي ثمن الواحد منها لإطعام قرية جائعة. وأصبح التفاخر بالأثاث الفاخر والديكور وبرك السباحة مجالا للفرح والتيه. فهل رأيت كيف تصف هذه الآية الأمة من القرآن الكريم الواقع الذي نحياه الآن. وأن هذا الترف اللامعقول واللامقبول سيؤدي إلى تدمير الحضارة الغربية بوجهيها (الإشتراكي) والرأسمالي، وها هو الوجه الشيوعي للحضارة الغربية قد إنتهى، والوجه الرأسمالي للحضارة الغربية في طريقه إلى الزوال. وإننا نحن في المنطقة الإسلامية ونحن في معركة مع عدونا، وهي معركة بقاء أو فناء، كيف نستسيغ لأنفسنا العيش في هذا الترف القاتل وبناء هذه القصور. وإن بعض الأحياء السكنية في بعض العواصم العربية فيها من القصور والديكور والتفنن المعماري ما لا يكاد يوصف، مع أنها في كل لحظة تحت رحمة صواريخ العدو وطائراته بل ومدفعيته. والله يهددنا إن لم نتعظ فإنه سوف يأخذ هذا الترف كله ويفنيه، ونعيش بعدها مبلسين في يأس وقنوط.

ولقد حقق الله المثل الذي ضربه في القرية التي كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان. وتتمثل هذه الصورة اليوم في بيروت التي كانت مثالا للحياة المتفسخة، لا تنام الليل، وتلهث في النهار، إنهارت فيها القيم وإختلط الحابل بالنابل، والنجاسة بالطهر، والكفر بالإيمان، والعهر بالإستقامة، الرجولة بالميوعة، حتى لم تعد تميز بين خير وشر وحلال وحرام، ولا تعرف المسلم من غير المسلم، يلهث وراء اللذة، ويشبع جوع المعدة وجوع الجنس بأي وسيلة، وكيفما أتفق.

وفجأة إذ ببيروت تعيش الخوف والجوع، ويهلكها العهر ويمحقها الربا، فكل تجارة بيروت وعماراتها وأسواقها قائمة على الربا، ولكن القرآن قرر أن الربا مآله المحق، فأجتمع في بيروت الترف والكفر والربا، وكلها عوامل الدمار لأي مدينة في الأرض .. وقد حدث ذلك في الخليج وفي (الكويت) خاصة. ولنتدبر الآيات المعجزات:

(وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا) [الإسراء: 16] . قال تعالى (يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم) [البقرة: 276] . قال تعالى (وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون) [البقرة: 112] .

ولسائل أن يسأل: هل بيروت وحدها التي أسرفت وكفرت ورابت؟ والجواب هو: أن عواصم الغرب الكبرى دمرت في خلال هذا القرن مرتين، مرة في الحرب العالمية الأولى، والأخرى في الحرب العالمية الثانية، ولا ندري هل سيبقى منها أثر في الحرب العالمية المقبلة أم لا؟! وبهذا يتبين أن آيات القرآن المتعلقة بمسيرة البشرية لا يصح أن تفسر تفسيرا تاريخيا فقط، كآيات الإسراء المتعلقة ببني إسرائيل وبعلوهم وفسادهم، وقد بينت في تفسيرها أن المرتين بعد نزول القرأن وليس قبله.

وبهذا السرد للآيات القرآنية التي تتحدث عن المستقبل، أردت أن أوضح أن معنى آيات المائدة في الموالاة بين يهود والنصارى هو مستقبلي، تتحدث عن المستقبل في علاقات المسلمين مع يهود والنصارى. وأن تآمر يهود والنصارى مجتمعين على المسلمين وأرض الإسلام والأرض المباركة هو بعض ما جاء به القرآن الكريم.

تحقق الموالاة بين يهود والنصارى

في بداية القرن العشرين

ونعود إلى الآية وتفسيرها (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض) [المائدة: 51] . وقد بينا آنفا أنه لم تحدث موالاة بين يهود والنصارى منذ أن جاء عيسى عليه السلام بالنصرانية إلى بداية القرن العشرين، وأن العداء بينهم هو دين الطرفين، ولكن فجأة تحدث الموالاة والتناصر بينهم، وينسون الأحقاد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت