فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 55

معتمدين في ذلك على ما تعودوه في مواطنهم الأصلية من إنحراف في التعامل والإلتواء في الوصول إلى مآربهم المادية.

وقد جاءت الحرب العالمية الأولى فكشفت عن هذا الإنحراف والإلتواء، لأن أوقات الأزمات أقدر على إظهار جوهر الخلق والسلوك الإجتماعي من أوقات الهدوء العادي. وتجاوبت الشكوى في أوروبا وأمريكا من محاولات يهود الطارئين المعقدة في إخفاء أنفسهم وأشخاصهم عن نظر إدارات التجنيد الإجباري بالرغم من حصولهم على الجنسية في الدول التي إستوطنوها بعد الهجرة، وكانوا يشوهون أعضاءهم الجسدية حتى يتهربوا من الجندية وحتى بعد التجنيد، مما جعل الحلفاء الغربيين يرون في اليهود مثالا في عدم الولاء وإنكار الجميل، مما أدى إلى تعاظم الحقد عليهم.

من هذا السرد التاريخي للعداء اليهودي النصراني يتضح بما لا يدع مجالا للشك أنه لم يحدث ولاء بين يهود والنصارى عبر التاريخ، وإنما حدث العكس من ذلك، العداوة والبغضاء ويشير القرآن الكريم إلى ذلك ويقرر أن العداوة قائمة بين يهود والنصارى. ففي سورة الصف، يقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين) [الصف: 14] ، والذين آمنوا هم الذين أصبحوا (نصارى) ، والذي كفروا هم الذين استمروا على يهوديتهم.

وتقرر الآية أنهم منذ ذلك الحين أصبحوا أعداء، وأن الله سبحانه وتعالى قد أيد النصارى على يهود فأصبحوا ظاهرين عليهم مسلطين. وكذلك يقول تعالى (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب) [البقرة: 113] .

ولكننا نجد أن الآية [50] وما بعدها من سورة المائدة تقرر أن هناك ولاء بين يهود والنصارى، وتحذرنا من أن نتخذ يهود والنصارى أولياء، فكيف يمكن التوفيق بين الذي جاءت به آيات القرآن والتي تقرر العداوة بين يهود والنصارى، وكذلك الواقع التاريخي الذي بين هذه العداوة المستمرة بين يهود والنصارى، وبين الولاء الذي تتحدث عنه الآيات [50] وما بعدها من سورة المائدة والتي يقول الله فيها (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين * فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين * ويقول الذين آمنوا أهولاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين * يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم * إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) [المائدة: 51 - 56] .

فالقرآن يتحدث في هذه الآيات عن ولاء وتناصر بين يهود والنصارى. والآية [113] التي أشرنا إليها من سورة البقرة، والآية [14] من سورة الصف، تحدثنا عن خلاف وعداء بين يهود والنصارى، والواقع التاريخي الذي سردنا قسما منه يؤكد هذه العداوة والبغضاء بين يهود والنصارى. وهذا في ظاهره تناقض، ومعاذ الله أن يتناقض كتاب الله، إذن لا بد أن آيات المائدة التي نحن بصدد تفسيرها، تتحدث عن فترة زمنية آتية بعد نزول الآيات.

فهي لا تصف واقعا في حال نزولها، إذ لم يكن في حين نزولها ولاء بين يهود والنصارى في جزيرة العرب، أو في أي بقعة من بقاع العالم، فالنبي (صلى الله عليه وسلم) حين نقض يهود العهد في المدينة قاتلهم منفردين في المدينة وفي خيبر وتيماء، ولم يحدث لهم مساعدة وتناصر وموالاة من النصارى، إذ لم يكن في المدينة وما حولها نصارى، وكذلك لم يكن في مكة يهود ولا نصارى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت