بحلول عام 1948 م سلمت فلسطين بدون قتال بعد دخول الجيوش العربية إليها والتي زعمت أنها داخلة لتحريرها، وحيث كان الفلسطينيون أهل البلاد منتصرين على اليهود في كل أنحاء فلسطين.
وقد أوقعت قوات الجهاد المقدس بقيادة المرحوم الشهيد عبد القادر الحسيني وإشراف سماحة الحاج أمين الحسيني ضربات موجعة في الكيان اليهودي، مما جعل مظاهرات تقوم في مدينة القدس تطالب بالتسليم، لأن المجاهدين استطاعوا أن يقطعوا امدادات المياه عن القدس، مما جعل أمريكا وبريطانيا تضطران لطلب إلغاء قرار التقسيم الذي كاد أن يلغى لولا أن أخذ حكام العرب على عاتقهم في ذلك الحين تنفيذه، وأدخلوا جيوشهم لتنفيذ هذا الأمر بعد أن منعت اللجنة العربية العسكرية التي ألفتها الجامعة العربية السلاح عن قوات الجهاد المقدس في تفاصيل مخزية مزرية.
وكان المرحوم الشهيد عبد القادر الحسيني قد ذهب إلى دمشق ليحضر تلك الأسلحة فأخذوا يماطلونه ويراوغونه، فرجع ولم يعطوه إلا نزرا يسيرا من سلاح لا يغني في المعركة، مما جعله يدخل معركة القسطل يائسا أو شبه يائس ويسقط شهيدا لتقوم بعد استشهاده دولة يهود.
وفي الفترة الواقعة بين 1948 - 1967 م حدثت عدة إنقلابات في العالم العربي تمت خلالها حلقة تطويق الفكر الإسلامي وإحلال الفكر القومي والعلماني والاشتراكي مكانه، فصارت الأمة تلهث وراء الزعيم والقائد ظانة أنه المنقذ المنتظر وصلاح الدين الجديد، وبعد عدة حوادث تاريخية مهمة مرت على الأمة انكشف خلالها النفاق والكذب وذهب كالسراب (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب) [النور: 39] . وقد وضعت الأمة في ظلمات كثيفة، ظلمات شارك فيها كل الذين عملوا على تغيير هويتها، وكانت كما قال الله (أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله لو نورا فما له من نور) [النور: 40] .
وكان لا بد للظلام أن ينقشع، ولا بد للحقيقة أن تظهر، ولا بد للزيف أن يبين، ولا بد للفكر المزيف اللقيط أن يسقط، فكانت نكبة 1967 م.
وكان رد الفعل مساويا للفعل، فتعرت الأنظمة والمبادئ والأفكار الفاشلة في ساعة أو بعض ساعة لم تصمد في معركة، ولم تقاتل عدوا، فكانت نكبة (5/ حزيران / 1967 م) التي لم تعرف الدنيا لها مثيلا في سرعة الهزيمة وإنكشاف أنظمة السخيمة وهروب الجيوش، وانقشع الظلام وذهب السراب، فإذا الزعامات عارية، وإذا الفكر عفن، فكر الإباحية واستباحة الأعراض والأموال، فكر فصل الدين عن الحياة. وإذا يهود في كل فلسطين من البحر إلى النهر، وفي غير فلسطين من سيناء والجولان. وبدأت مرحلة جديدة حيث كانت نكبة 1967 م بدايتها، فالأرض المباركة لها رسالة كما يبدو من إستقراء التاريخ، فيصل المسلمون إلى الحضيض يوم سقوط الأقصى وبقية الأرض المباركة في أيدي الكفار، ويكون هذا السقوط هو الآذان الذي يقرع الأسماع ويوقظ الغافلين ويهدي المتشككين، هكذا كان في الحروب الصليبية، فلم يتحرك المسلمون حركة صعود إلا بعد سقوط الأقصى والقدس في أيدي الكفار، وهكذا في حروب التتار هب المسلمون ليصدوا الخطر عن فلسطين والقدس. وهم اليوم كذلك حيث فقدت زعامات 67 وأفكارها وساستها وهجها وبريقها، وسقطت نظريات الكفر والإلحاد، وسقط مشروع فصل الأمة عن دينها الذي إنخدعت طويلا يخرج من الظلمات إلى النور والحقيقة، وبدأت الصحوة الإسلامية تتفاعل ببطء لا يراها إلا من عاشها من أولها. ثم وقعت حرب (رمضان / 1973 م) حيث قاتل حيش مصر المسلم بعقيدته لأول مرة في العصر الحديث، وكبر وهو يجتاز القناة (الله أكبر .. الله أكبر) ، واستغاث بالله العظيم، ومن يستغيث بالله يغثه، ومن يستنجد بالله ينجده. فاجتاز القناة بيسر عجيب ودخل سيناء وكاد أن يقضي على دولة يهود .. لولا أن السادات كان متآمرا. فأوقف الزحف وبدأت الخيانة حتى وصلت إلى ذروتها بإتفاق (كامب ديفيد) وبعدها ظن السادات واهما أنه سيكسر الحاجز النفسي بين المسلمين واليهود، وما علم أن هذا الحاجز أقامه الله في قرآنه، وثبت قواعده لؤم