فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 55

، ولا يعترف البابا بالبروتستانت، فهو يعتبرهم خارجين عن الكنيسة (هراطقة) لأنهم لا يؤمنون بالتماثيل والصور، وهم بالمقابل يعتبرونه (مرتدا) . والصراع الدموي بين البروتستانت والكاثوليك في إيرلندا الشمالية القائم على أساس ديني والذي لم يهدأ منذ سنوات طويلة يعطي صورة واضحة عن عداوة النصارى بعضهم مع بعض، والحروب بين دول أوروبا النصرانية لم تتوقف عبر التاريخ، فما من دولة أوروبية إلا وحاربت جارتها النصارنية، وكثيرا ما كان العامل الديني المذهبي هو المحرك في هذه الحروب.

ويهود كذلك ليس بعضهم أولياء بعض بنص القرآن الكريم، فكما أوقع الله العداوة بين النصارى بعضهم مع بعض، أوقع العداوة بين يهود بعضهم مع بعض وإلى يوم القيامة. قال الله تعالى (وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مسبوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين) [المائدة: 64] . ويقول الله تعالى (لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جيمعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) [الحشر: 14] .

والمتتبع لأحوال يهود في الأرض المغتصبة يجد مدى إنطباق هذه الآية وصدقها على المجتمع اليهودي في فلسطين. فالأحزاب اليهودية حوالي ثلاثين حزبا من أقصى اليسار الشيوعي المتطرف الملحد إلى أقصى اليمين الصهيوني المتحجر. والأحزاب تتناحر بعنف. والمجتمع اليهودي مجتمع عنصري طبقي مخيف. فالحياة الرغيدة هي ليهود أوروبا، وخصوصا الذين هم من أوروبا الشرقية مثل روسيا وبولندا. هؤلاء هم أصحاب السلطة في الدولة. فكل الزعماء الذين أقاموا دولة يهود وحكموها تقريبا منهم، من أمثال: غولدا مائير، وبن غوريون، وشرتوك، وآلون، وديان، وبيغن. وهؤلاء أعطوا الإمتيازات لأنفسهم ولبقية اليهود الذين جاءوا إلى فلسطين من أوروبا وأمريكا، أما يهود الشرق الذين ليسوا من دول أوروبا أوأمريكا فهم مواطنون من الدرجة الثانية أو الثالثة، فهم وقود الحرب ويعيشون في أدنى درجات السلم الاجتماعي.

وتتحدث الآية محذرة المؤمنين من أن يوالوا يهود والنصارى، وقد قال أبو جعفر الطبري في تفسير قوله تعالى (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) [المائدة:51] :"ومن يتول يهود والنصارى دون المؤمنين فإنه منهم، فإن من تولاهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متول أحدا إلا وهو به وبدينه مؤمن وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه وصار حكمه كحكم من تولاه".

وبالفعل حينما بدأت الموالاة بين يهود والنصارى، تمهيدا لإقامة دولة يهود في أول هذا القرن، كان يهود والنصارى قد مهدوا الطريق لهذا الأمر بإنشاء الجمعيات والنوادي، وقد أدخلوا فيها بادئ الأمر أبناء النصارى ويهود فقط، ولكن ذلك لم يؤد إلى الغرض المقصود إذ أنهم يستهدفون الإسلام والمسلمين، فأدخلوا أبناء المسلمين في تلك والنوادي فيما بعد. وكانت الدولة العثمانية (دولة الخلافة) قد أصبحت الرجل المريض، وأنشأوا المدارس الغربية في ديار المسلمين ونشروا الثقافة الغربية، وبلغ هذا الأمر ذروته بإنشاء الجامعة الأمريكية في بيروت، هذه الجامعة التي خرجت كثيرا من الساسة وحكام العرب الذين ساهموا في قيام ما يسمى دولة إسرائيل فيما بعد. وقد ذهب نفر من أبناء الأثرياء من المسلمين لتلقي العلم في أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ورجعوا من الغرب مفصولين عن فكرهم الأصيل، وبدأوا يدعون إلى القوميات ويعادون الإسلام الذي لا يميز بين بني البشر إلا بالتقوى. وبدأ الغرب الصليبي المتعاون مع يهود ينشئ جمعيات لهؤلاء الشباب القومي كجمعية الإتحاد والترقي في تركيا لأبناء الأتراك، وجمعية العهد لأبناء العرب وكان مقرها باريس.

وتعاون دعاة القومية مع يهود والنصارى على هدم دولة الخلافة: الأتراك يدعون إلى القومية الطورانية وفرضها على الشعوب التي تتكون منها الدولة الإسلامية، والعرب يدعون إلى القومية العربية العلمانية والتخلص من حكم الدولة العثمانية. وكان السلطان عبد الحميد قد فهم اللعبة، فقاوم ما وسعته المقاومة، وكان قد ورث الدولة العثمانية وهي شبه منهارة، ولكنه استمر يناور دول الغرب ثلاثين عاما حتى إستطاعوا أن يتغلبوا عليه في النهاية، فعزل عام 1909 م، وكان عزله تمهيدا لقيام دولة يهود في فلسطين. وقد تعاون القوميون على عزله واستلموا الحكم وكان السلطان الذي خلف عبدالحميد ألعوبة بين أيديهم وأرادوا تتريك الشعوب الإسلامية فجعلوا لغة التدريس في المدارس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت