التضحية والفداء، وقدم آلاف الشهداء وتعرض للتعذيب في السجون والمعتقلات، وعاش الناس في إرهاب ولكن روح التحدي فيهم كانت عالية لم تستطع بريطانيا إقتلاعها أو تدميرها بالرغم من بطشها. وفي هذه الأثناء أنشأت بريطانيا جيشا ليهود، أخذت تدربه وتسلحه باسم حرس المستعمرات (الهاغاناه) . وكان هذا الحرس هو النواة الحقيقية لجيش دولة يهود فيما بعد. وكل رؤساء الأركان فيما يسمى بجيش الدفاع اليهودي منذ سنة 1948 م هم من ضباط هذا الفريق اليهودي مثل ديان، وآلون، ويادين .. وغيرهم.
وهكذا عملت بريطانيا النصرانية على إعطاء يهود كل ما يريدون وأكثر مما يريدون، وأسست لهم دولة في أرض الإسلام، واستمر التعاون بين يهود والنصارى في هذا القرن، فأصدرت هيئة الأمم المتحدة النصرانية وريثة عصبة الأمم والتي أسسها الحلفاء المنتصرين لتقسيم مناطق النفوذ فيما بينهم قرارا بإنشاء دولة يهود في فلسطين عام 1947 م.
وتسابقت الدول النصرانية الكبرى على الإعتراف بهذه الدويلة، فتفتخر أمريكا النصرانية وريثة بريطانيا النصرانية في عداء المسلمين بأنها أول من إعترف بهذه الدولة بعد إنشائها بإحدى عشر دقيقة، وكانت روسيا الدولة الثانية، ونالت (الفخر) بهذا الإعتراف السريع، مع أن هذا الإعتراف يخالف مبدأها الشيوعي الذي تقوم عليه وهو (الأممية) ومحاربة (العنصرية) كما يزعمون. إلا أن العداء للإسلام جمع بين أطراف الكفر المتناقض الذي هو كقطعة العملة الواحدة ذات الوجهين.
وتوالت إعترافات الدول النصرانية بدولة يهود. وبعد ذلك أخذت الدول النصرانية تلهو بالمسلمين وبحكامهم، فتصدر قرارات في هيئة الأمم المتحدة تبين حقوق الفلسطينيين بأرضهم وتطالب بعودتهم وبتنفيذ قرارات التقسيم. والحكام الذين والوا يهود والنصارى، والذين هم من صناعة يهود والنصارى، أعجبتهم اللعبة والعبث الذي يجري بهم وبأمتهم، فكلما اجتمع حاكم إلى حاكم أصدرا بيانا يطالبان فيه بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بفلسطين والتي أصبحت لا تعد ولا تحصى.
واستمر التعاون بين يهود والنصارى حتى كان العدوان الثلاثي على مصر المسلمة حيث اشتركت جيوش نصرانية (فرنسية وبريطانية) مع جيش يهودي في الهجوم على مصر سنة 1956 م وهذا لأول مرة في التاريخ حيث اشتركت جيوش نصرانية ويهودية في حرب المسلمين.
وفي الستينات من هذا القرن بلغ التعاون ذروته بإعلان البابا تبرئة يهود من دم المسيح -حسب زعمهم- حتى لا يتأثر النصارى المتدينون حينما تسقط مقدساتهم في أيدي يهود الذين صلبوا المسيح - حسب زعمهم - وبلغ الأمر ذروته بتعاون الكثير من نصارى لبنان (خاصة الموارنة منهم) بكل وضوح وبكل وقاحة مع يهود حيث يقاتلون المسلمين في خندق واحد.
ومن العجيب الغريب أن دولة لبنان النصرانية بقيت فترة طويلة تقوم بدفع مرتبات جنود الخائن (سعد حداد) ومن بعده (أنطوان لحد) بالرغم من تعاونهم العلني مع يهود. وهذه الأموال من دافعي الضريبة المسلمين، ومن مساعدات دول أوروبا -التي سكانها مسلمون- فكيف حدث هذا؟! أو كيف يحدث هذا؟! إنه الكفر وأعوانه يفعلون ما يريدون.
وأما ما قاله الطبري وغيره من المفسرين في قوله تعالى (بعضهم أولياء بعض) ، فإنه علل ذلك بأن يهود أنصار بعضهم البعض يد واحدة على عدوهم، وأن النصارى كذلك. وهذا القول مردود بالقرآن وبالواقع التاريخي لأن القرآن يقرر أن النصارى مختلفون إلى يوم القيامة وبينهم العداوة والبغضاء، فلا يمكن أن يكونوا يدا واحدة لأن الله تعالى يقول (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العدواة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينئهم الله بما كانوا يصنعون) [المائدة: 14] .
ولذلك، منذ أن أنقسم النصارى إلى طوائف، والعداوة قائمة بينهم على أشدها، فالكنيسة الشرقية (الأرثوذكس) التي مقرها إسطنبول، لا تعترف بالكنيسة الغربية (الكاثوليك أو اللاتين) التي مقرها روما، وبابا روما لا يعترف ببابا إسطنبول. وقد إنقسمت الكنيسة الغربية، وأنفصلت عنها حركة التجديد الديني (البروتستانتينية) التي تزعمها (مارتن لوثر) ، والتي تتمثل في الكنيستين الإنجليزية وأكثر الألمانية وأكثر الأمريكان. فلا يعترف البروتستانت بالبابا