اللغة التركية مما عجل بالقضاء على الدولة الإسلامية العثمانية، وكانت (الثورة العربية الكبرى) التي قامت لتخليص العرب من الدولة العثمانية بتخطيط من الإنجليز. ثم جاء أتاتورك الذي حاول هو وخلفاؤه من بعده أن ينزعوا تركيا من الإسلام، أو بالأحرى أن ينزعوا الإسلام من تركيا!. ولكن الشعب التركي المسلم بدأ يعود متمسكا بدينه، وقد فشلت مخططات تكفيره. ثم جاءت الحركات القومية الثورية، والأحزاب الإشتراكية، والماسونية. وكلهم تعاونوا مع يهود والنصارى بشكل أو بآخر، وكلهم ساهم في قيام دولة يهود فأبعد الإسلام عن الساحة نهائيا. وذلك لأن دولة يهود نجسة لا يمكن أن تقوم في أرض طاهرة يحكمها الإسلام، فلا بد من حكومات نجسة فكريا حتى تقوم دولة ليهود من خلالها، فكان الفكر الذي سيطر على الأرض الإسلامية فكرا أباح الزنا ودواعيه، وأباح الخمر وشجع عليه، وأباح القمار وأنشأ له نواد، وأباح الربا وأسس له مؤسسات ضخمة تأكل أموال الناس بالباطل، وحورب الإسلام ورجال الإسلام حربا لا هوادة فيها، فجعلوا من الإسلام عنوانا للتخلف الحضاري والتخلف العقلي. وصدق الله العظيم حين قال (إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا إنقلبوا إلى أهلهم إنقلبوا فكهين * وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * وما أرسلوا عليهم حافظين) [المطففين:29 - 33] .
ومن ضمن الخطة التي وضعت لمحاربة الإسلام، وحتى تقوم دولة يهود، حورب علماء الإسلام في أرزاقهم، وأصبح ينظر إليهم على أنهم طبقة (غير منتجة) ماديا، وأنهم عالة على مجتمعهم، ونتج عن هذا مزيد من التفكك في المجتمع مزيد من التآكل في الأسرة، ومزيد من الميوعة، وانقلب ميزان الفضائل، فأصبح التقدم يعني الإنحلال، وأصبح الرقي يعني الثورة على الفضيلة، وأصبح الكرم يعني أن تكرم بعرضك، وأبعد كل ما له علاقة بالإسلام عن الساحة، حتى أن الكلمات التي لها علاقة بالإسلام منع إستعمالها في المعركة فكلمة (الجهاد) مثلا استبدل بها (الكفاح والنضال) ، وكلمة (الكفار) استبدل بها (الاستعمار) ، وكلمة (اليهودية) استبدلت بها (الصهيونية) حتى تطمس الإصطلاحات الإسلامية والإسلام نهائيا. وبدلا من أن يكون الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين أصبح الولاء للقائد والحاكم والحزب وللكفر والكفار. والإسلام ربى المسلمين على أن يكون ولاؤهم لله ولرسوله (صلى الله عليه وسلم) ، ولكنه منعهم من أن يربطوا الإسلام بشخصه الكريم، ولذلك حين خرجت الإشاعات في غزوة أحد أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد قتل، أصاب الوهن نفوس بعض الصحابة -رضوان الله عليهم-، واعتقدوا أن الإسلام قد انتهى بموت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، فأنزل الله مؤدبا للمؤمنين ومعلما لهم (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل إنقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين) [آل عمران: 144] .
وهكذا ركز القرآن الكريم في آيات عديدة على بشرية محمد (صلى الله عليه وسلم) ، ويقول تعالى مؤكدا على بشرية نبيه خوفا من أن يؤلهه الناس (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد) [الكهف: 110] . ويقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) :"لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم إنما أنا عبد الله ورسوله". وكان الرجل يدخل على مجلس النبي (صلى الله عليه وسلم) فيسأل:"أيكم محمد؟"حيث كان لا يتميز عن أصحابه بلباس أو مجلس.
ولكننا رأينا في زمننا هذا أن الزعيم مقدس، وأن الحاكم لا يخطئ، فمؤسس الحزب ينظر له بقداسة. ولقد إستغل بعض الساسة والزعماء هذا الأمر، فأخذوا يستهزئون بالشعوب، ويتلاعبون بالعقول، والناس تلهث وراءهم تصفق بأيديها وتهتف بحناجرها، وعقولها في إجازة! والزعيم يلعب بالعواطف، يجعل الأبيض أسود، والأسود أبيض، ثم يعود البياض إلى بياضه، ويعود السواد إلى سواده هو هو لم يتغير. فبطل الأمس خائن اليوم، وفجأة تقضي مصلحة الزعيم أن يعود هذا البطل إلى خيانته، ثم يعود مرة أخرى إلى بطولته، والجماهير تتبع رأي الزعيم لا تسأله لم غير؟ ولم بدل؟ إنه أمن ولاءها بعد أن أفقدها وعيها. وهكذا ساق أصحاب الشعارات المتجردين من الإسلام الأمة إلى الهزائم المتلاحقة والنكبات المتتابعة بعد أن رضوا أن يكونوا حكاما على الدويلات الممزقة والتي صغر بعض منها فأصبح على مستوى الحارة. وإن تلك الدويلات لها أعلام وسفارات وسلام رسمي، وهي عضو في هيئة الأمم المتحدة بجانب الدول الكبرى التي تتحكم في مصائر الأرض. ولكن كل ذلك كان حتى تقوم دولة يهود وسط التمزق والتشرذم والتلاعن والتباغض بين حكام الدويلات. وأغلب حكام هذه الدول أو الدويلات ممن يوالون النصارى ويهود، فيعتقدون بعقيدة النصارى القائلة بفصل الدين عن الحياة، وأن الدين لا علاقة له بحياة الناس، فهم يبيحون الربا كما أباحه النصارى ويهود، ويبيحون الزنا كما أباحه النصارى ويهود. وصدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين قال:"لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة شبرا شبرا وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه،!"