قالوا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟، قال: فمن إذن؟"!! وبذلك صدق قول الله تعالى (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) ، لأنه (المقصود موالي اليهود والنصارى) آمن بعقيدتهم ونمط حياتهم، وبالرغم من الهزائم المتلاحقة التي لحقت الأمة على أيدي من والى يهود والنصارى، فقد استمروا في طغيانهم يعمهون، فلم يغيروا أنظمة الكفر، ولم يحرموا ما حرم الله ورسوله، حتى يغير الله ما بهم، وما حل بأمتهم من هزائم."
ومضت هذه الفئة في إرضاء يهود والنصارى حتى لم تترك طريقا ترى فيه إرضاء ليهود والنصارى إلا وسلكته. فحولت وسائل الإعلام في العالم الإسلامي إلى أدوات تهدم كل القيم التي تكونت منها أمتنا والتي إستطاعت بها أن تكون خير أمة أخرجت للناس، تهدي الضال، وتدل الحائر، وتطعم الجائع، وتحسن لليتيم، ولا تنسى البائس الفقير، ويتقدم الإنسان في ظل هذه القيم بجهده وتقواه لا بعرقه ونسبه، يجعل العبادة لله وحده لا للزعيم ولا للقائد ولا للحزب ولا للمال ولا للشهوة ولا للعقل ولا للعلم، فيكون الإنسان في ظل هذه حرا كما خلقه الله. . فجذور حريته خيوط تمتد إلى منابع السماء، فيها الفضيلة والرحمة والمحبة والإيثار والإحسان إلى ذوي القربى والجار ولو خالف دينك أو لم يكن على عقيدتك. إنها قيم تجعل الأسرة هي اللبنة في بناء المجتمع، أسرة متناسقة منسجمة لها قائد، فإذا إنحرف قائد الأسرة تدخل ولي أمر المجتمع فحجز على السفيه، ومنع تصرف المجنون، وهكذا تمشي الحياة في ظل القيم في إنسياب رحيم وإتساق جميل، يعرف الإنسان في ظل هذه القيم أنه خلق لعبادة الله (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) [الذاريات: 56] ، فهو يأكل ليقوى على العبادة، وهو يشرب خوفا من أن يذوي. العبادة ليست في الصلاة وحدها، وليست في الصوم وحده، وإنما العبادة في كل عمل يقوم به الإنسان، فهو لا يغش لأن الغش حرام، وهو لا يسرق لأن الله منع السرقة، وهو لا يزني لأن الزنا مرفوض من الله، وهو يجاهد لأنه يريد أن يدخل الناس جميعا في الخير الذي دخل فيه حتى يصل الناس جميعا إلى الله بسلام وأمن ومحبة، وهو لا يخون أمته لأن الخائن مرتد، وهو لا يعين عدو أمته لأنه بذلك يذهب إلى النار، وهو لا يرابي لأن من رابى فقد أعلن الحرب على الله ورسوله، ولا يحتكر أقوات الناس لأن من إحتكر فقد أخطأ كما ورد في الحديث:"المحتكر خاطئ"، وهو لا ينام على شبع وجيرانه جياع وذوو رحمه لا يجدون الطعام لأنه بذلك يكون قد خرج من حظيرة الإيمان كما ورد في الحديث:"ما آمن بي من بات شبعانا وجاره جائع إلى جانبه وهو يعلم".
ففي ظل القيم الإسلامية يكون المال وسيلة لإشباع حاجات الإنسان الضرورية بالطرق التي رسمها الشرع، وما تبقى منه فهو للإنفاق على الفقراء والمساكين وفي سبيل الله ووجوه الخير المختلفة، وفي ظل هذه القيم يتعلم الإنسان الصدق لأن الكذب حرام، الوفاء واجب لأن الغدر حرام. وجاءت وسائل الإعلام لتنسف هذا كله أو لتشوه هذا كله، فأخذ تقنع الناس بأن الربا ضرورة من ضرورات الحياة الإقتصادية وأن الناس لا يعيشون بغير ربا؟؟ وغرق الناس أو كثير من الناس في الربا، وبدأوا يذوقون القلق، ويعرفون الأرق، تلاحقهم الأقساط، وتلهب ظهورهم الكمبيالات. والمرابي لا يرحم ولو أدى بالإنسان إلى بيع أثاث بيته. إنه يريد الربا ويريد المال. أما الرحمة، وأما النظرة إلى ميسرة فهي أليق بالمؤمنين، أما المرابي فهو إنسان آخر لا يهمه عذاب الإنسان ولا جوع الأطفال ولا تحطيم الأسر، وكلما إزداد أكله للربا إزداد تحجر العاطفة في نفسه، فهو لا يرحم ولا يشفق إلا لمصلحة يراها، أو ليتظاهر بأنه حمل وديع، وإنسان من أصحاب الخير. وبدخول الربا، عرفت المجتمعات الإسلامية شقاء المجتمع الغربي الربوي، وبدأ الناس يعيشون في دوامة من الطمع والهلع، يذوي الخير في نفوسهم، وتلاحقهم التعاسة والشقاء. وبدأت الكوارث الربوية تتوالى في بلاد المسلمين في حتمية إليهة حيث يقول تعالى (يمحق الله الربا) [البقرة: 276] . وتهاوت مؤسسات ربوية ضخمة معلنة إفلاسها، وأممت مؤسسات ربوية كثيرة أخرى، وولول صغار المساهمين وتحسروا على مالهم الذي ضاع، والذي محق فيه الربا الحلال والحرام، وكثرت الأمراض نتيجة للقلق وتنوعت، وتنوع معها العلاج وكثر، فهناك حبوب من أجل أن ينام الإنسان، وأخرى من أجل أن يستيقظ، وثالثة من أجل أن يخفف ضغط الدم، ورابعة لتفتح الشهية، وخامسة وسادسة .. الخ من الأدوية والمسكنات. ومن المناظر المألوفة في مجتمعنا اليوم أو في مجتمع التجار وأرباب الأموال ممن أبتلوا بالربا فإنه إذا كسدت السوق لأمر أو لآخر ترى التجار المقترضين وأرباب الأموال المرابين وقد علاهم الوجوم وعصرتهم الهموم، يقترض الواحد من جاره ليسدد القسط الذي حان موعده، ثم يبيع حلي إمرأته، ثم لا يجد شيئا يبيعه أو يقترض منه، فيسقط صريع الربا في شلل أو مرض، وعندها يموت في سكتة قلبية. وإرضاء ليهود والنصارى، أباحت الفئة المتعاونة معهم الإحتكار، فأصبحت بلادنا في قبضة الشركات الإحتكارية، وأصبح كبار التجار يخزنون أقوات الشعب لدرجة أنهم يرفضون تخفيض السعر ليأخذوا بذلك ربحا وفيرا حلالا أو حراما، فيبنون به القصور، ويساهمون في البنوك. . وهكذا دواليك، ولا يهمهم بعد ذلك أشبع الناس أم جاعوا؟ اكتسوا أم عاشوا في الأسمال البالية الخرق المرقعة؟ وبعد ذلك يخرجون على الناس (بأعمال الخير) ليخففوا على الناس كما يزعمون فينشئون لهم اليانصيب الخيري، ويتهافت الفقراء على