الظنونا * هنالك إبتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا * وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا) [الأحزاب:9 - 12] .. فنصرهم الله، إذ أرسل جنودا لم يروها، وأرسل ريحا عاصفة تكفأ القدور في جيش قريش وتهدم الخيام، ويصيب قريش الذعر وقبل أن يأتي جند الله تظهر الفئة المنافقة الشماتة، وتعلن أن وعد النبي (صلى الله عليه وسلم) للمسلمين بفتح مشارق الأرض ومغاربها كان نوعا من الغرور، وأما الفئة المؤمنة فأيقنت بنصر الله في هذا الحصار الشديد والمعاناة القاسية .. فقد اعترضت صخرة فئة من الصحابة وهم يحفرون الخندق، فأخبروا الرسول (صلى الله عليه وسلم) بذلك وطلبوا من الرأي:"ماذا يفعلوا؟"، فنزل (صلى الله عليه وسلم) إلى الخندق وأخذ المعول بيديه الشريفتين فضرب الصخرة ضربة فلق فيها ثلث الصخرة وخرج منها شرر أضاءت ما بين لابتي - أطراف - المدينة فكبر الرسول (صلى الله عليه وسلم) فكبر الصحابة لتكبيره، وضرب الضربة الثانية فأنفلق الثلث الثاني من الصخرة وخرج منها شرر أضاء ما بين لابتي المدينة فكبر الرسول (صلى الله عليه وسلم) وكبر الصحابة لتكبيره، وضرب الضربة الثالثة فأنفلق الثلث الأخير وانتهت الصخرة وخرج منها شرر أضاء ما بين لابتي المدينة فكبر الرسول (صلى الله عليه وسلم) وكبر الصحابة لتكبيره، ثم خرج (صلى الله عليه وسلم) من الخندق فسأله أصحابه عن الشرر والتكبير وكان السائل حذيفة بن اليمان وسلمان الفارسي - رضي الله عنهما -، فقال الرسول (صلى الله عليه وسلم) :"هل رأيتم ما رأى حذيفة؟"، قالوا:"نعم"، فقال (صلى الله عليه وسلم) :"أما الضربة الأولى فقد أضاءت لي منها قصور الحيرة بأرض الفرس فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، وأما الثانية فقد أضاءت منها قصور الحمر بأرض الروم فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، وأما الضربة الثالثة فقد أضاءت لي منها قصور صنعاء اليمن كأنها أنياب الكلاب فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها .. أبشروا يبلغكم الفتح .. أبشروا يبلغكم الفتح .. أبشروا يبلغكم الفتح". .
ألا ترى أن المنافقين في هذا العصر هم الذين أشرت إليهم سابقا من أقصى اليمين الماسوني إلى أقصى اليسار الشيوعي، وما بينهما من هذه الأحزاب والمسميات التي تشكك في نصر الله والتي تدعوا الأمة إلى اليأس والقنوط، والتي تشكك في الآيات والأحاديث تدعو الأمة لأن تستسلم لعدوها، حيث أن وضعها ميئوس منه، وأنها لا تقوى على المقاومة. . والذين يتبنون هذه الآراء في الأمة هم حكام التجزئة وأعوانهم من المنتفعين الذين يرون نصر الأمة بالإسلام ضياعا لإمتيازاتهم وتذويبا لدويلاتهم، وعودا للمجد وللنصر وللعزة المؤمنة.
وأما الفئة المؤمنة، على قلتها، فهي ترى أن النصر آت وأن وعد الله قائم (ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما) [الأحزاب: 22] .
ونحن اليوم نرى أن قتال يهود هو وعد لنا قبل قيام الساعة في آيات الإسراء وآيات المائدة، وفي أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، فهو وعد من الله ورسوله زادنا إيمانا بالله وبرسوله وبالقرآن وبالإسلام كله، وأننا على حق، وأن الفئات المنافقة الكافرة هي التي أوصلتنا إلى الهزائم، وأن نصر الله آت لا ريب فيه، وأن جند الإسلام - وليس جند القوميات ولا جند اليسار ولا جند اليمين الرجعي - هو الذي سينتصر، لأنه سيقاتل تحت راية"الله أكبر"، لا تحت راية العنعنات الجاهلية، ولا شعارات الأيدلوجيات التي نرفضها لأننا مسلمون، سيرد الله تآمر الغرب الصليبي على أعقابه يوم يرون دويلتهم التي أقاموها وقد أصبحت من مخلفات التاريخ، يبحث علماؤهم عن الأسباب التي أدت إلى زوالها ولا يعلمون أن هذا وعد الله تحقق في زوال دولة يهود، كما تحقق في زوال دولة الصليبيين قبلها، ولكن بأسرع مما يتصور الكثيرون، وبأسرع مما زالت به دولة الصليبيين بإذن الله، وسيقذف الله في قلوب يهود الرعب كما قذف في قلوب آبائهم يوم الخندق حيث يصفهم الله فيقول (وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا) [الأحزاب: 26] . وهذا ما سيكون: سنقتلهم حيث ثقفناهم، ونخرجهم من حيث أخرجونا، وسيعود الإسلام به نقاتل وننتصر، وبه نعيش ونحيا، وبه نطهر ونتطهر، وبه نتوحد بعد فرقة، وبه ستلغى الحدود، وبه ستلغى جوازات السفر، وبه ستلغى السفارات بين بلاد المسلمين، وبه ستذهب هذه الأعلام التي لا حصر لها ولا عدد، وستبقى راية الإسلام وحدها هي المرفوعة، وهي التي لها العزة والكرامة. كل ذلك سيكون بالإسلام، لأن القوميات لا يمكن أن تفعل ذلك، ولا الأيدلوجيات يمكنها أن تفعل ذلك حيث لم نر في ظلها وظل شعاراتها إلا الخزي والعار والهزائم والسخائم.