"وما كنت تتلو""من قبله") [1] ، من كتاب ولا تخطه بيمينك، إذا لارتاب المبطلون) [2] ، فالجواب: أنه قال تعالى: أنه لم يتل قبل النبوة كتابا، ولا خطه بيمينه، وهذا النفي لا يتناول ما بعد النبوة، ولذلك لم يبطل بما تلاه بعد ذلك من كتاب القرآن، وما فيه من القصص، وأخبار النبيين قبله، والمرسلين على وجه اظهار المعجزات، وتبيين الآيات. وكذلك لا يبطل هذا النفي بأن يكتب بعد ذلك على مثل هذا الوجه [3] ، وهذه كلها تعلقات ضعيفه، لمن بلغ هذا الحد من الانكار. ولم أسمع أحدا من شيوخنا، ولا بلغني عن أحد من أهل العلم أنه يدعي إبطال معجزة، ولا تغيير شريعة، ولا رد شيء من القرآن بهذه المقالة. وكفاك بقول لا سلف له فيه، ولا حظ له في إجماع المسلمين مع التمسك به. /ص 92/ وإنما المسلمون في هذه المسألة بين قائلين: قائل يقول: انه_ صلّى اللّه عليه وسلّم_ كتب يوم الحديبية على حسب ما قدمناه، وقائل يقول: لم يثبت ذلك، ولو ثبت لم يكن فيه رد للشريعة/ ولا إبطال المعجزة، فمن ادعى قولا ثالثا [4]
(1) - ربما وقع الإلتباس للناسخ بوجود قبل بين حرفي الجر (من) مرتين، الجارة لقبل، والجارة لكتاب، فلم تكتب من قبل سهوا.
(2) - (العنكبوت_48) .
(3) - قال ابن العربي: فإن قيل: فقد أخبر أنه لا يكتب وكتب، قلنا ذلك وقع مقيدا بقوله: (من قبله) ، وقد ثبت أنه كتب بعده، وقد فاز ببيان ذلك من أشياخنا من فاز. (أنظر: عارضة الأحوذي 8/ 202) (روح المعاني 21/ 4) ، (البحر المحيط: 7/ 154) .
(4) - وهو تكفير من صدق بالقول الأول أو مال اليه، وفي هذا المعنى يقول عبد اللّه بن هند الشاعر: برئت ممن شرى دنيا بآخرة* وقال أن رسول اللّه قد كتبا (تذكرة الحفاظ 3/ 1181) ,
ترتيب المدارك 4/ 805)، راجع ص: 150، في بطلان القول الثالث، ورده إلى القولين السابقين، ولكن القول الثالث ثابت، وتكفيرهم للباجي يشهد به ما دونته أقلام المؤرخين لذلك العصر، ولست أدري أكان من السهمي ذلك تعصبا على الباجي، أو جريا مع العاطفة لبعض أصدقائه الذين رافقوه في حجة.