وإلا دعا هنا على السمناني والهروي إتهام للباجي بالكذب. مع أن أبا الفضل جعفر بن نصر، سجل في إجابته: أنه سمع هو الآخر ذلك من أبي ذر، وبلغه مثل ذلك عن السمناني. فالادعاء مزعوم والحقد بين واضح. ولعله إضطراب فكري أو ضعف في الشخصية، أو إختلاط الشيخوخة، فإذا نحن بحثنا عن السر في ذلك الإختلاف الذي لم يرد في باقي أجوبة فقهاء صقلية بأسلوب يشعر القارئ بغيض يجيش بصدر السهمين نستنتج ما يأتي: فبعد فضيحة ابن حزم التي جعلته يغادر ميورقة -آخر معقل له لينشر المذهب الظاهري- إلى مسقط رأسه لبلة من بادية الأندلس الغربية، مغلوبًا على أمره من جراء مناظرة الباجي له، وكان الذي استدعاه إلى هذه الغاية، /ص 89/ هو أبو عبد الله محمد بن سعيد الميورقي المالكي. لكن الباجي، طاب له المقام بهذه الجزيرة، فسكنها هو وأخوه إبراهيم [1] وربما أحمل ابن سعيد نفسه، أو خاصمه، فأصبح يغار منه ويحقد عليه. وعندما ذهب عبد الحق الصقلي إلى الحج سنة (452 هـ) ، رافقه ابن سعيد هذا في رحلته، فنقل إليه تلك الحزازات وأوغر صدره على الباجي، وعندما توصل السهمي بما توصل به، جاء جوابه مغايرًا لتلك الأجوبة السالفة الذكر. ومن الجائز أن يكون كتبه بحضرة رفيقه، فنراه يلمح لمن يترأسون المجالس العلمية بأنهم احتيج إليهم لذهاب العلماء. ويكثر من الاعتراضات، ويتمثل بالأبيات الشعرية، ويذكر الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية لينال من الباجي، والله أعلم.
... فهذه الأجوبة وإن كانت قصيرة ومتفاوتة في الأسلوب والتعبير والتنسيق. فقد كان لها أثر حسن بالنسبة لموقف الباجي وتهدئة الجو العام بينه وبين معارضيهن وكانت بمثابة الحكم الفاصل. فتراجع عن معارضته جلّ فقهاء دانية، وتوقفوا ولم يطعنوا عليه.
(1) - التكملة 1/ 138 ترجمة: 357.