ثم يختم هذا البحث بباب سادس: يذكر فيه زيدة المناقشة، فيقول:"وأما الصحيح الذي يجب أن يعول عليه في هذه المسألة ويقال به: فإن الظاهر من لفظ الحديث من رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق أنه -صلى الله عليه وسلم- كتب الكتاب". ثم يعقب على ذلك قائلًا:"ألا أن هذا الحديث كسائر المعجزات مما لا يحصى كثرة، قد رويت ونقلت بأخبار الآحاد، فلا يقع لنا العلم بمجموعها أنه قد عمل عملًا خرق به العادة وأظهر به المعجزةولا تتعين لنا أهي أنه كتب يوم الحديبية، أو جميعها أو غير ذلك، فإذا لم يقع لنا العلم بصحة هذه الرواية، فالصواب: الرجوع إلى المعلوم من حاله -صلى الله عليه وسلم-، والمشهور من صفاته في إمتناع الكتابة عليه."
فبعد عرض الأقوال السالفة، وترجيح ما رجح منها، وإبعاد ما قد لا يصح. يوجز المسألة في قوله:"أن من قال بكتابة الرسول قبل البعثة فقد كفر، ومن قال بها بعد البعثة فهو مخطئ."
فهذه اللمحة الخاطفة التي أوجزنا فيها محتوى هذا الكتاب، وإن كانت لا تعطي نظرة كافية لما ورد فيه، فهي تسلط الأضواء على محتوياته، ليكون القارئ على بينة مما سيجده في كل باب. وهذه الطريقة التي سلكها في إنشائهن تنقل القارئ من نقطة إلى أخرى، وتستدرجه بعد أن يقتنع بما ورد في الباب أو الفصل الذي قرأه، من فكرة إلى فكرة، فلا يشعر بالملل لطرافة الموضوع وإيجازه، وتجزئته تجزئة مناسبة، فهو مركز دقيق التعبير الأمر الذي يدل على براعة المصنف، فلا ترى فيه ثغرة أو حشوًا، فسلاسة اللفظ، وجزالة المعنى طابعان طبع بهما أسلوب هذا الكتاب ما في ذلك من شك، وتسلسل الأفكار في تقنية سامية جذابة تلائم الأذواق على إختلاف ميولات أصحابها وتعالج الموضوع معالجة قوية ومنظمة تنظيمًا جدليًا ومقنعًا.
/ص 84/ أجوبة فقهاء صقلية