وإنما قولنا: أن من شرطه أن يكون معه دعوى الرسالة، لأن الباريء تعالى قد يخرق العادات وينقضها على أيدي الصادقين دون دعوى رسالة يّدعونها. فلا يكون ذلك معجزا، مثل ما يخرق العادات وينقضها بكرمات [1] الأولياء والصالحين ممن ليس بنبي ولا رسول. وقد ينقضها عند كثير من الناس، على أيدي الكذابين، ما لم يدعوا رسالة [2] ، مثل ما روي [3] أنه ينقضها على يدي الدجال فيما يظهر أنه سبق معدّ من الماء والنار والطعام، وهو يدعي الربوبية، ولو ادعى الرسالة، لم يظهر ذلك على يديه، لأنه إذا ادعى الربوبية. ففيه من صفات الحدوث ما يبطل دعواه. ولو ادّعى النبوة وأظهر له هذه الأمور الخارقة للعادة، لم يكن لنا طريق إلى معرفة كذبه، واوجب أن يكون ذلك تصديقا له. والله تعالى لا يصدق الكاذبين.
ٍ/ص 12/ فصل رابع
"أن يتحدّى به من هو دليل عليه"
وانما قولنا: أن من شرطه أن يتحدى [4]
(1) - الكرامة: هي ظهور أمر خارق للعادة من قبل شخص غير مقارن لدعوى النبّوة، فما لا يكون مقرونا بالإيمان والعمل الصالح يكون استدراجا، وما يكون مقرونا بدعوى النبوة يكون معجزة (نفس المرجع ص: 95) .
(2) - قارن بهذا ما ورد في: (مقالات الاسلاميين 2/ 125 - الطبعة الثانية بمصر_ 1389 هـ- 1969) .
(3) - رويت في المسيح الدّجّال ابن صياد أحاديث كثيرة، تختلف قصرا وطولا، وتعرض جوانب متعددة من صفاته وأحواله وأفعاله. ومصنفات الحديث مليئة بها، فلا حاجة بنا إلى ذكرها.
(4) -ولقد تحدى الرسول_ صلى الله عليه وسلم_ العرب بالقرآن على أن يأتو بمثله، بقوله تعالى ("أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ أن كَانُوا صَادِقِينَ") .
(الطور_ 33 - 34) ، وقال جل شأنه: ("قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُم ْلِبَعْضٍ ظَهِيرًا") (الإسراء_88) .
ثم تنازل إلى عشر سور مثله بقوله: ("أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ أن كُنتُمْ صَادِقِينَ") [هود:13] . فأفحموا ولم يقدروا. ثم تنازل إلى سورة واحدة بقوله تعالى: ("أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ")
(يونس 38) . فعجزوا عن الإتيان بمثله كلاّ أو بعضا. كلّ هذا بمكة قبل الهجرة، وسورة البقرة من أول ما نزل بالمدينة، وهي أيضا تتضمن آية من آيات التحدي وهي قوله تعالى: ("وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ أن كُنْتُمْ صَادِقِينَ") (البقرة 23) ، قارن بهذا: (الاتقان في علوم القرآن 2/ 117 - مطبعة حجازي بالقاهرة) . (لمع الأدلة ص: 110) .