فيمن اطلع عل التاريخ الفكري لهذا البلد منذ الفتح الإسلامي إلى سقوط غرناطة، يرى التنافس ساريًا في جميع مظاهر الحياة بصفة عامة. وفي ذلك يقول أبو بكر بن العربي في سراج المريدينن حينما تكلم على الغربة:"أشد أنواعها فقد النظير، وعدم المساعد، والاضطرار إلى صحبة الجاهل، ثم نظر ببقي بن مخلد ومحمد بن موهوب، وما لقيا من أهل بلدهما بعد الرجوع من الرحلة حسدًا على ما رجعا به قال: وهذا أبو الوليد الباجي رحل وأبعد وجلب علمًا جمًا ... فقولوا عليه، وحملوا كل تكذيب وتعطيل عليه" [1] .
... وهكذا كانت سنة الأندلسيين في بلدهم، فما من أمير إلا وقعت في حضرته عدة مناظرات، بين الفقهاء والعلماء من حين لآخر، فيؤيد [2] من كان أهلًا للتأييد، كما سنرى مع بقي بن مخلد، أو يعارض من لا يستحق ذلك. أو يتوقف إذا إستشكل عليه الأمر في القضية كما هو الشأن في مسألة نبوة النساء، التي تنوظر فيها بين يدي المنصور بن أبي عامر، ومناظرة الباجي وابن حزم بين يدي أبي العباس أحمد بن رشيق والي ميورقة، ومناظرة أخرى في أمية الرسول -صلى الله عليه وسلم- بين يدي علي بن مجاهد بمسجد دانية، بين الباجي وابن سهل، وغير ذلك من المناظرات التي كان لا يخلو منها زمن ولا مكان في الحياة الثقافية بالأندلس.
/ص 108/ تعريف الأمية
... لقد إختلف من تصدى لتعريف الأمية على قولين، فبعضهم عرف الأمي [3] بأنه هو الذي لا يعرف الكتابة والقراءة، وعلى هذا تكون الأمية، هي الجهل بالكتابة والقراءة.
(1) - التراتيب الادارية: 1/ 173، 174. انظر معه: العواصم من القواصم 2/ 208.
(2) - المقتبس ص: 245 وما بعدها. انظر معه: نفح الطيب: 1/ 198.
(3) - تأويل مختلف الحديث ص: 287، تاريخ إفتتاح الأندلس: 62، 63، لمع الأدلة ص: 111 112، العقد الفريد: 4/ 214، مجلة الوعي الإسلامي الكويتية العدد: 138 ص: 55 وما بعدها.