(1) إن طبيعة عملية الانتخاب تناسب ما عليه الرجال من قدرة وخبرة واستعداد فطري، ذلك أنها إسهام في عملية التولية للأمور العامة، واختيار من تناط بهم، ومزاولة ذلك تتطلب خبرة ومخالطة ومعرفة تامة بمن يعهد إليهم بهذه الأعباء الثقيلة، والمسئوليات الجسام.
والرجال أقدر على ذلك وأولى بالنهوض بهذه المسئولية، ومن ثم فهم المنوط بهم تحمل المسئولية، وتحميلها أهلها، وبيان ذلك أن عملية الانتخاب يغلب عليها -من بين العناصر المختلفة المتداولة لتكييفها- أنها مشورة تتعلق بذات الشخص من حيث عدالته وكفايته (وليست كالمشورة التي تتعلق بالقيام بتصرف أو تركه) .
وهذا النوع من المشورة يسميه الفقهاء (التزكية) وهي من مستلزمات أهلية الشهادة، ونحوها من الولايات العامة، والصفات فيمن يقوم بالتزكية أقوى من الصفات المشترطة لأهلية الشهادة، وكلاهما من باب الولاية، وفضلًا عما هو مقرر في شأن شهادة النساء تبعًا لمجالها، وعلاقة موضوعها بميدان النشاط الطبيعي للمرأة أو عدمها، فإنه ليس كل من تجوز شهادته تجوز تزكيته -كما يقول العتبي وابن رشد من كبار المالكية، ولا ينبغي لأحد أن يزكي رجلًا إلا رجلًا قد خالطه في الأخذ والعطاء، وسافر معه، ورافقه. (البيان والتحصيل لابن رشد(9/ 461) و (10/ 68 ) ) .
أما صدور التزكية من النساء فيقول فيها الإمام مالك في المدونة (5/ 161) "لا تجوز تزكية النساء في وجه من الوجوه لا فيما تجوز فيه شهادتهن، ولا في غير ذلك، ولا يجوز للنساء أن يزكين النساء، ولا الرجال، وليس للنساء من التزكية قليل ولا كثير".
ويقول إمام الحرمين:"إن مما نعلمه قطعًا أن النساء لا مدخل لهن في تخير الإمام وعقد الإمامة، والنساء لازمات خدورهن، مفوضات أمورهن إلى الرجال القوامين عليهن". (غياث الأمم 62) .
(2) إن عدم مشاركة النساء في الانتخاب هو أمر استقرت عليه السوابق طيلة العصور الإسلامية، ولا سيما القرون الثلاثة الأولى التي شهد لها الرسول صلى الله عليه وسلم بالخيرية، وذلك بمرأى ومسمع السلف الصالح من الأئمة والفقهاء، ولا يتصور تواطؤ تلك الأجيال المعروفة بالفضل والخير على تغيير حكم الشريعة، بحرمان المرأة حقًا من حقوقها ..
(3) وجود البدائل المشروعة التي يستغنى بها عما يراد تحصيله من مشاركة المرأة في الانتخاب، ذلك أن المرأة من خلال أمومتها ومشاركتها للرجل في الحياة الزوجية ونحو ذلك من الصلات الأسرية والعلاقات الاجتماعية والوظيفية تستطيع أن تؤدي دورها بطريق غير مباشر، لكنه سالم من المحاذير التي تلزم من مساهمتها (مباشرة) في الانتخاب، وهي تؤدي هذا الدور منذ وجدت، ولا تحتاج إلى أي مسوغ يمنحها هذا الحق، بل ليس في مقدور أحد أن يمنعها منه، لأنه حق طبيعي وشرعي تستطيع مزاولته دون أي إخلال