الصفحة 113 من 164

تعالى، قال الله تعالى: ? ? ? ? ? ? ? ? ? [1] ، فهذه الآيات الكريمة تدل على أن الاستغفار سببٌ لحصول الأرزاق الوفيرة والخيرات الكثيرة: من مطر متواصل مدرار نافع غير ضار، ومن الأسباب - للتمكين في الأرض بالأموال والبنين- ممَّا جعله الله تعالى من أسباب القوة والظهور، ومن جعل الأرض خضراء بالمطر جميلة، فيها جنات كثيرة وبساتين تروق للناظرين وتسرهم تجري فيها الأنهار من كل مكان، وذلك كله دليل على الخيرات الوفيرة، والأرزاق الكثيرة، واللحظات الجميلة. ولا شك أنه حين يوجد الخير الوفير والرزق الكثير، ويوجد في ذات الوقت الرجال الذين يحافظون على ذلك ويحمونه، فإن ذلك حين تحققه دليل على جمال الحياة، وقوتها. قال القرطبي مفسِّرًا لهذه الآيات بأنها:"دليل على أن الاستغفار يُستنزل به الرزق والأمطار، قال الشعبي: خرج عمر يستسقي فلم يزد على الاستغفار حتى رجع، فأمطروا، فقالوا: ما رأيناك استسقيت؟ فقال: لقد طلبت المطر بمجاديح [2] السماء التي يستنزل بها المطر، ثم قرأ: ? ? ? ? ? ? ? ? ? [3] وليس معنى الاستغفار المقصود والمطلوب هو ترديد الاستغفار قولًا باللسان فقط، ولا حقيقة له بالجنان. قال بعض الصالحين: الاستغفار بلا إقلاع توبة"

الكذابين [4] ، بل الاستغفار المطلوب هو ما كان ترجمة صادقة باللسان عما استقر في القلب، والاستغفار بهذا مظهر من مظاهر العبودية لله تعالى، والافتقار إليه سبحانه.

شكا رجلٌ إلى الحسن جدب بستانه، فقال له: استغفر الله، وشكا آخر إليه الفقر، فقال له: استغفر الله، وقال له آخر: ادع الله أن يرزقني ولدًا، فقال له: استغفر الله [5] . وفي هذا دليل بالغ على مدى إدراك سلفنا الصالح - رضي الله عنهم - لأهمية الاستغفار وشأنه عند الله تعالى، وأنه سبب من أسباب الرزق، وهذا الفهم منهم - رضي الله عنهم - قائم بناء على ما جاء في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - قال - صلى الله عليه وسلم: «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجًا، ومن كل همٍّ فرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب» [6] . ولا شك أن الأمة حين

(1) سورة نوح: (10 - 12) .

(2) المجاديح واحدها مجْدَح وهو: نجم من النجوم، وهو عند العرب من الأنواء الدالة على المطر، فجعل الاستغفار مشبهًا بالأنواء مخاطبة لهم بما يعرفونه، لا قولا بالأنواء. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير: 1/ 243.

(3) سورة نوح: (10 - 11) ، وانظر تفسير القرطبي (18/ 302) .

(4) تفسير القرطبي (9/ 3) .

(5) المصدر السابق (18/ 302) .

(6) أخرجه أبوداود في السنن (2/ 178 رقم 1518) . وانظر جامع الأصول (4/ 389) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت