والرزق يخطي باب عاقل قومه ويبيت بوَّابًا لباب الأحمق [1]
إِنّ العلاقة بين الخلق والرزق قوية، والارتباط بينهما وثيق فلا انفكاك بينهما، فمن قدر على الخلق، فهو قادر على الرزق، ولم ينازع الخلق كلهم في ذلك بل سلموا لله بأنه الخالق، الرازق، وتسليمهم ذلك جاء بناءً على أنهم غير قادرين على ذلك فهم عاجزون؛ لأنّهم يعلمون أنَّهم لو ادَّعَوا ذلك لكانت حقائق الكون وثوابت الفطرة تكذبهم، إذ لو قال أحد من الخلق: إنّه يقدر على الخَلْق، لقيل له: وأين عناصر الخلق؟ وكيف سيتم تكوينها؟ وما هي القوانين التي سيحفظ بها هذا الخلق؟ وما هي الحياة؟ وكيف تكون؟ وكم مدتها؟ وما هي النهاية لها؟ وكيف تكون؟ وما هو الرزق؟ وكيف يكون؟ وغير ذلك من أسئلة كثيرة لا تنتهي، والتي يقف الخلق أمامها عاجزين عن الإجابة عنها؛ لأنّها ليست في مقدورهم، وبالتالي فإنَّ الخلق، والرزق من صفات الله تعالى وحده، فقد علَّمنا في كتابه الكريم، وعلى لسان نبيه سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، قصة الخلق، وبدايته، وعناصر تكوينه، ومراحل تطوره، والقوانين التي تضبطه، وقوانين صيانته وحفظه، ورزقه، وكيفيته، وأنواعه، وحياته، ومراحلها، وقوانينها، ونهايتها، وكيفية ذلك، وحياته الأخرى، وبدايتها، ومراحلها، وسيره فيها، ومستقره، ورزقه فيها، فعلمنا بالدليل واليقين الجازم والتسليم المطلق بأنّه لا خالق إلاّ الله تعالى، ولا رازق إلاَّ هو جل جلاله. قال الله تعالى: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? [2] .
ففي هذا القول الإلهي العظيم، عطف فعل الرزق على فعل الخلق، دليلًا على أنّ الخلق بمجرد أن يبدأ خلقهم، فإنّ رزقهم يبدأ في الوصول إليهم، فالخلق والرزق متلازمان تلازم الملزوم بلازمه، ومرتبطان ارتباط النتائج بمقدماتها، وتدل الآية الكريمة على أن أمر المخلوقين مقدر محسوب معلوم خلقًا، وحياة، ورزقًا، وموتًا، وبعثًا، ولا شك أنّ في الخلق تنوعًا، فلا يوجد شخص هو في خلقه نسخة منقولة من شخص آخر، والخلق فيهم، المعافى والمريض، والطويل والقصير، والمخلوق يتطور خلقه منذ أن يوجد في رحم أمه نطفة، ويمر بمراحل مختلفة من النمو حتى يشيخ ويهرم ثم يموت، والخلق في رزقهم فيهم الموسع عليه، والمضيَّق عليه، وفيهم من هو بين ذلك، ولكل مرحلة من أعمارهم لها ما يخصها من الرزق، وخلق كل واحد منهم على الصورة التي شاء الله تعالى تركيبه فيها، أمر ثابت غير قابل للزيادة، أو النقصان فلا يستطيع أحد من الخلق أن يزيد أو ينقص في خلقه، أو خلق غيره. وهو كذلك لا يستطيع أن يزيد، أو ينقص من رزقه، أو رزق غيره [3] .
والمخلوق يخلقه الله تعالى بقدرته في وقت لا يعلمه إلاّ هو، وفي مكان
(1) أخرجه الدينوري في المجالسة (3/ 169 رقم 807) .
(2) سورة الروم: (40) .
(3) انظر المجالسة للدينوري (4/ 425 رقم 1617) .