الصفحة 38 من 164

يلازم صاحبه ويتبعه كما يتبعه ظله، ويطلبه أكثر مما يطلبه أجله، وفي ذلك كله توجيه وبيان للمؤمنين، تربية لهم وهم يتحركون في هذه الدنيا، يتلمسون أسباب الرزق، بأن يكون اهتمامهم بذلك اهتمامًا لا يرقى إلى مستوى اهتمامهم بأمر الحياة الآخرة، أي أنَّ اهتمام المؤمن بأمر الرزق يجب ألا يشغله عن أداء ما فرضه الله عليه، وعن اتباع سبيل من أناب إلى الله تعالى [1] .

والرزق في تقدير الله تعالى له - كثرة أوْ قلة - لا يكون بحسب ملكات النَّاس أو علمهم، أو نبلهم أو نسبهم، أوْ ذكائهم أو حنكتهم، أو بحسب جهلهم أو غبائهم، أو حسبهم أو وضاعة أنسابهم، ولكن الرزق هو عطاء الله لخلقه أجمعين، لا فرق بين عالم أو جاهل، أو ذكي أو غبي، أو صغير أو كبير، أو شريف أو حقير، أو معافى أو مريض، بل لا فرق بين كافر أو مسلم، أو طائع أو عاصٍ؛ لأنَّ الله تعالى هو خالق خلقه أجمعين، فهو رازقهم، إذ من لوازم الخلق الرزق، وليس واجبًا على الله تعالى أن يرزق خلقه، ولكن رحمته وسعت كل شيء، والرزق من مظاهر رحمته تعالى.

قال وهب:"أوحى الله - تبارك وتعالى - إلى موسى - عليه السلام - إني رزقت الأحمق ليعلم العاقل أن الرزق ليس باحتيال" [2] .

وأشار إلى هذا المعنى عبَّاد التميمي حيث قال:

والغيث يحرمه أناس شغب ... ويبيت يهطل في بلاد جِلِّق

(1) انظر: تفسير القرطبي (14/ 66) . وانظر: المجالسة للدينوري (4/ 292 رقم 1450) .

(2) أخرجه الدينوري في المجالسة (4/ 448 رقم 1653) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت