الصفحة 70 من 164

ومن خلال هذا الفهم نريد أن نتوقف قليلًا عند قضية تناولها القاضي أبوبكر ابن العربي وهي قضية أهل الصُّفَّة من الصحابة الكرام -رضي الله عنهم- وكان فيما قرره وانتهى إليه مخالفًا لما قررناه في شأن موقف المؤمنين من الأسباب، قال - رحمه الله: (أمَّا إنه لقد كان قوم يقعدون بصُفَّة المسجد، ما يحرثون ولا يتَّجرون، ليس لهم كسب ولا مال، إنما هم أضياف الإسلام، إذا جاءت هدية أكلها النبي - صلى الله عليه وسلم - معهم، وإن كانت صدقة خصَّهم بها، ولم يكن ذلك بمَعَابٍ [1] عليهم؛ لإقبالهم على العبادة، وملازمتهم للذكر والاعتكاف، فصارت جادتين في الدين ومسلكين للمسلمين، فمن آثر منهما واحدًا لم يخرج عن سننه ولا اقتحم مكروهًا) [2] .

ونحن لا نوافق ابن العربي فيما انتهى إليه بقوله: (فصارت جادتين في الدين، ومسلكين للمسلمين، فمن آثر منهما واحدًا لم يخرج عن سننه ولا اقتحم مكروهًا) ، وكأنه بهذا يقنن البطالة في الإسلام، فإنه لا ينبغي أن ينظر إلى قضية أهل الصُّفَّة - رضي الله عنهم - أنها قاعدة في الإسلام، وأنها مسلك في الدين - فمن أخذ بها لم يخرج عن سنن الدين ولا فعل ما يكره - بل يجب أن ينظر إليها

(1) تقول العرب: المسار والمسير، والمعاش والمعيش، والمعاب والمعيب. والمعاب والمعيب: العيب. انظر: لسان العرب (1/ 633، 634) .

(2) أحكام القرآن لابن العربي: (2/ 916) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت