ومما ينبغي أن يُعلم في هذا المقام أن الرزق قد يأتي على غير مستوى الأسباب، ولذلك سأل بعض الأكاسرة حكيمًا عن الأحمق المرزوق والعاقل المحروم، فقال الحكيم: أراد الصانع أن يدل على نفسه، إذ لو رُزِق كلُّ عاقل، وحُرِم كلُّ أحمق، لظُنَّ أن العقل رَزَق صاحبه، فلما رأوا خلافه علموا أن الرازق غيرهم، ولا ثقة لهم بالأسباب الظاهرة، وقال الشاعر:
يَعِيشُ الفَتَى في دَهْرِهِ وهُو جَاهِلُ
ويُكْدِي الفَتَى في دَهْرِهِ وهُو عَالِمُ
فلوْ كَانَتِ الأَرْزَاقُ تَجْرِي عَلى الْحِجَا
هَلَكْنَ إِذَنْ مِنْ جَهْلِهِنَّ الْبَهَائِمُ [1]
ومما ينسب إلى أبي الأسود الدُّؤَلي قوله:
وَعَجِبْتُ للدُّنْيَا وَحِرْفَةِ أَهْلِهَا ... والرِّزْقُ فِيمَا بَيْنَهُمْ مَقْسُومُ
وَالأَحْمَقُ الْمَرْزُوقُ أَعْجَبُ مَا أَرىَ ... مِنْ أهْلِهَا وَالْعَاجِزُ الْمَحْزُومُ
ثُمَّ انْقَضَى عَجَبِي لِعِلْمِي أَنَّهُ ... رِزْقٌ مُوافٍ وَقْتُهُ مَعْلُومُ [2]
(1) إحياء علوم الدين للغزالي: (4/ 275) .
(2) بَهجَةُ الْمَجَالِس وَأُنْسُ الْمُجَالِس: (1/ 146 - 147) .