ومجيء الرزق على غير مستوى الأسباب أحيانًا أمر مشاهد محسوس لا ينكره عاقل، فكم من أناس تراهم، أرزاقهم قليلة مع أنهم باذلون للأسباب، وبالمقابل فإن أناسًا آخرين ليسوا في مستوى أولئك من حيث العلم، والفهم والذكاء، والحركة، ومع ذلك ترى أرزاقهم كثيرة، وهذا أمر يشاهد في حياة الأفراد أيضًا، وذلك دليل واضح، وبرهان ساطع على أن الأمر في الأسباب أنها لا تحكم ولا تقدِّر، وإلاَّ لكان الرزق دائمًا في مستوى الأسباب، ولكن لما كان الأمر في غالبه خلاف ذلك علمنا أن الذي يَحْكم ويقدِّر ويتصرف في هذا الأمر هو الله جلَّ جلاله، الذي قدَّر أرزاق خلقه جميعًا قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال صلى الله عليه وسلم: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة» [1] .
وقد تناول هذه القضية في القديم والحديث الحكماء والشعراء، فمنهم من سلَّم لأمر الله تعالى ومنهم من ألحد فيها، والله غني عن العالمين وهو العليم بما يقولون ويفعلون.
(1) سبق تخريجه في (11) .