الإنسان خلقه الله تعالى مفطورًا على العواطف والمشاعر والانفعالات، فهو مادة وروح، يتأثر بظواهر الحياة من حوله، وخاصة تلك الظواهر التي لها اتصال وتأثير في مجرى حياته، فهو ليس شيئًا خشبيًا جامدًا لا حس فيه ولا عواطف ولا مشاعر، ومن بين هذه الظواهر- التي يتأثر بها الإنسان وينفعل بها- ظاهرة الرزق في حياته، ولما كان الرزق مرتبطًا بأسبابه، كان تعلق الإنسان بهذه الأسباب أمرًا ذاتيًا في الإنسان غير منفصل عنه، ولا يمكن أن يقال للإنسان: لا تتعلق بالأسباب، فذلك أمر مجافٍ لفطرة الإنسان؛ والدين الإسلامي العظيم - وهو دين الفطرة التي فطر الناس عليها - راعى هذه القضية في الإنسان ووقف منها موقفًا وسطًا، فلم يحارب في الإنسان تعلقه بالأسباب، إذا كان ذلك التعلق في دائرة المباح المشروع، بحيث يكون هذا التعلق تعبيرًا عن الفطرة الإنسانية لا يتجاوزها إلى التعلق المحرم، وهو الذي ينسى فيه الإنسان خالق الأسباب و مقدرها؛ فالله تعالى قد أعطى خلقه الحرية في التفكير والعمل لتطوير أسباب رزقهم وتحسينها، وأباح لهم الاهتمام بها والحرص عليها، ونهاهم عن التفريط بها، وحثهم على مواصلة التفكير في أسلوب تطويرها، وحسن استثمارها، وتوجيهها الوجهة السليمة الصحيحة، وترصد الأزمنة والأمكنة المناسبة لها، وفي سبيل ذلك فلم ينههم عن الاغتمام والحزن والاهتمام عند توقفها، أو ذهابها كلها أو بعضها